ليس عندي تردد مطلقاً في أننا من أحوج الناس إلى مثل هذه الأفكار التي تُقَنِن للفاعلية والتأثير، وبخاصة مثل هذه العادات السبع، مِن أحوج الناس أفراداً، ومِن أحوج الناس أمّةً، لن نختلف طويلا في أن لدينا مشكلة ضخمة مع الفاعلية والإنتاجية، وإذا لم تكن مقتنعا بذلك فأرجو أن تهز رأسك قليلا، وأن تنظر حولك؛ بل تنظر داخلك، إن حالة الخور والشلل وانعدام الفاعلية التي يعيشها الكثير منا انعكست على مجموعنا فبثت فينا الخدر والضعف، ودفعتنا دفعاً إلى مؤخرة الأمم، وإلى هامش التاريخ، بعد أن كنا له كُتَّاباً وصانعين، إنك لن تفتح عينيك يوما وتخطئ مظاهر التسيب والإهمال وانعدام الشعور بالمسؤولية، ونرى كيف يخفق الإنسان في أن يتحكم في وقته فيصرفه في الوصول إلى أهدافه وتحقيق آماله، وترى كيف تُخفق المجموعة في العمل فريقاً واحداً للوصول إلى الأهداف المشتركة، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية والأنانيات الخاصة، وفي المقابل فإنك لن ترى إلا نادراً مشاريع بعيدة المدى، طويلة الأمد، يشرف عليها أكفاء من ذوي النفس الطويل، وبالمثل، ترى في المجتمعات الإسلامية التي تتشدق بالتراحم والتكافل صورا مفجعة من الأنانية والفردية وتقديم الذات على كل شيء، كل هذه الأعراض التي لن ينكرها إلا أعمى، تدل على أن الوضع على أقل تقدير ليس كما يرام، وأننا بحاجة إلى التغيير.
ومن بين أنقاض هذا التخلف المقيم وركام انعدام الفاعلية المشين، نتلمس اليوم بوادر صحوة فكرية حقيقية على مستوى العالم الإسلامي كله، بل على مستوى العالم الثالث، ملت الهوان فانتفضت فيها بقايا الهمّة وتحركت ولو بشكل مبدئي محاولات جادّة في التغيير، وموضوع التغيير موضوع ذو شجون، وهو الآن علوم وفنون، هو باختصار الانتقال من حالة حالية إلى حالة أخرى منشودة، هذا الانتقال لا يتم في مكان هو خارج نطاق حكم الله وعلمه وإحاطته، فإن ربنا سبحانه وتعالى هو العلام المحيط القادر الذي لا يخرج شيء أبدا عن علمه وقدرته وإحاطته، وكما أن انتقال السيارة من مدينة إلى مدينة تحكمه مجموعة من القوانين الفيزيائية والرياضية والبيئية وغيرها، فإن انتقال إنسان من حال التفريط والتخبط والضياع إلى حال التنظيم والتركيز والفاعلية أمر تحكمه قوانين وأنظمة وضعها الله في هذا الكون، تحكم عملية التغيير هذه، صحيح أن الرغبة في التغيير هي الخطوة الأساس في أي عملية تغيير، ولكن عند الشروع في عملية التغيير لابد أن تراعي هذه القوانين والنواميس الكونية التي تحكم عملية التغيير هذه.
هذه القوانين والسنن الكونية مثلها مثل السنن الطبيعية التي وضعها الله في الكون لا تحابي أحدا، ولا تجامل مخلوقا؛ بل أمرها الله تعالى أن تخدم من وافقها، وأن تعاند من خالفها، فكما أن المؤمن البَرُّ التقي إذا ألقى نفسه من أعلى عمارة فإنه يسقط -بسبب قانون الجاذبية الذي خلقه الله في هذا الكون، وقد يتعرض للموت، فإن الفاجر الفاسق الظالم إذا استخدم مظلة هوائية، مستفيدا من قانون فيزيائي طبيعي آخر خلقه الله، فإنه ينجو بإذن الله، هذه السنن الاجتماعية كذلك، لا تفرق بين الناس على أساس لونهم أو عرقهم أو بلدهم؛ بل إنها لا تفرق بينهم حتى على أساس دينهم، فهي ماضية في طريقها تحكم نظام هذا الكون بإذن الله جارية على المؤمن والكافر والبر والفاجر: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فاطر: 43.
هذه السنن لا تتغير ولا تتبدل إلا بالمعجزات التي يجريها الله لمن يشاء من عباده الأنبياء في حالات نادرة لا تزيد هذه السنن إلا ثبوتا ورسوخا، فما الذي يجعلنا نتصور أن أمتنا أو مجتمعنا يمكنه أن ينهض أو يتغير دون مراعاة هذه السنن؟ هل خلقنا من مادة غير تلك التي خلق منها بقية البشر؟ هل لدينا طاقات داخلية مختلفة عن طاقات البشر؟ هل وعدنا الله في كتابه، أو وعدنا نبيه ﷺ في سنته بأنه سيمكن لنا في الأرض حتى لو لم نتخذ الأسباب الموصلة لذلك؟ هذه أماني الضعاف وأحلام البطالين، التي يردها القرآن الكريم بحزم، يصفع أصحابها؛ ليوقظهم إلى جريان سنن الله عليهم، كما جرت على غيرهم فيقول سبحانه: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ النساء: 98، إذن فدراسة هذه السنن والسعي في النهضة والتغيير بمقتضاها أساس في أي عملية تغيير ناجحة.
والحق أن العلماء المسلمين، المتقدمين منهم والمتأخرين، قصروا تقصيرا بيّناً في دراسة السنن الاجتماعية التي تحكم تغيرات المجتمعات وضعفها وقوتها، وهذا موضوع كبير ليس مجالنا مناقشته باستفاضة، ولكن المفكر والمؤرخ الاجتماعي العبقري ابن خلدون نبه إلى هذا الخلل كثيرا، وحاول بجهده الضخم أن يؤسس في هذا المضمار، ولكن للأسف لم يُبنَ على ملاحظات ابن خلدون، ولم يكمل مشواره، ومن ذلك قوله رحمه الله في سنن الله في قيام الدول وسقوطها منتقدا علماء التاريخ الذين سبقوه: ".. وأدّوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها، فالتحقيق قليل، والتقليد في الآدميين عريق وسليل، فللعمران طبائع في أحواله، ترجع إليها الأخبار وتحمل عليها الروايات والأخبار..، ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسقوا أخبارها نسقا، لا يتعرضون لبدايتها ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها، ولا علة الوقوف عند غايتها..".
إنني أرى في عيون الناس رغبة صادقة للتغيير، وأحس بين أنفاسهم بعاطفة قوية للتقدم إلى الأمام، ولكن إهمالنا لهذه السنن الكونية ونحن نقدم على عملية التغيير يجعلنا أشبه بالسجين الذي مل من الذل، وعاف الهوان، وتجمع عنده شيء من بقايا الهمة وفتات العزيمة، فقام بكل جهده، وأخذ يحاول أن يكسر باب السجن برأسه.
-بتصرف-
المصدر: كتاب التغيير من الداخل، د. أيمن أسعد عبده، صفحة 225-228.
شاركنا بتعليقك