إن وصايا الآباء للأبناء عبادة أمر الله بها ضمن جماعة المؤمنين، فإذا كنا مأمورين بإيصاء الآخرين فإن أقربهم حقّاً عليهم وآكدهم في هذه الحقوق الأهل والأبناء. قال تبارك وتعالى: ﴿وَالْعَصْرِ ♦ إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ♦ إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ العصر: 1-3.
لا شك أن الوصية في الدين والتناصح بين الناس عبادة جليلة مهجورةٌ في كثير من البيوت، ومنسية عند كثير من الأُسر، وشأن الوصية مهم وجليل، ولكن أعجب ما في الأمر أن وسائل الإعلام المعاصرة من إذاعة وتليفزيون وصحافة وغيرها، قزَّمت من شأن الوصية، وأضعفت من دورها؛ حتى انزوى دورها في نوافذ ومجالات الدنيا فقط، فنشأ الصغير وشابَ الكبير على الوصية بالدنيا عملاً وحرصاً وأمناً، وصار الأب والأم كثير منهم لا يوصي أبناءه إلا بشيء من شؤون الدنيا، وقديماً عاب الله على أقوام لا يذكرون إلا الدنيا ولا يسألون ربهم سواها، فقال جل وعلا: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ♦ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ البقرة: 200، 201 وهذا ذم في الحقيقة وعيب لمن لا همَّ له إلا الدنيا.
قال سيد قطب رحمه الله عند هذه الآية: "إن هناك فريقين:
فريقاً همه الدنيا، فهو حريص عليها، مشغول بها. وقد كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف في الحج فيقولون: "اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولادٍ حسنٍ!" لا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً. وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الآية نزلت في هذا الفريق من الناس. ولكن مدلول الآية أعم وأدوم. فهذا نموذج من الناس مكرور في الأجيال والبقاع. فالنموذج الذي همه الدنيا وحدها يذكرها حتى حين يتوجه إلى الله بالدعاء؛ لأنها هي التي تشغله، وتملأ فراغ نفسه، وتحيط عالمه وتغلقه عليه. هؤلاء قد يعطيهم الله نصيبهم في الدنيا -إذا قدَّر العطاء- ولا نصيب لهم في الآخرة على الإطلاق.
وفريقاً أفسح أفقاً، وأكبر نفساً؛ لأنه موصول بالله، يريد الحسنة في الدنيا ولكنه لا ينسى نصيبه في الآخرة فهو يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. إنهم يطلبون من الله الحسنة في الدارين، ولا يحددون نوع الحسنة، بل يَدَعون اختيارها لله، والله يختار لهم ما يراه حسنة وهم باختياره لهم راضون. وهؤلاء لهم نصيب مضمون لا يبطئ عليهم؛ فالله سريع الحساب. إن هذا التعليم الإلهي يحدد لمن يكون الاتجاه؛ ويقرر أنه من اتجه إلى الله وأسلم له أمره، وترك لله الخيرة، ورضي بما يختاره له الله، فلن تفوته حسنات الدنيا ولا حسنات الآخرة. ومن جعل همه الدنيا فقد خسر في الآخرة كل نصيب" في ظلال القرآن: (1/ 178).
وفي مقابل صورة الدنيا والوصية بها والحرص عليها، فقد ذكر الله لنا وصية لقمان لابنه بوصايا جامعة تربوية نافعة. قال تبارك وتعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إنَّهَا إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ♦ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور ♦ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ♦ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لقمان: 16-19.
فهي كما نرى وصايا جامعة، في العقيدة كما في الآية الأَوُلى في إشارتها لوحدانية الله وقدرته المطلقة فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض، وهو اللطيف الذي يُجرِي رحمته تحت أستار الخفاء، وأنه هو الخبير الذي خَبر مخلوقاته في شتى شؤونهم عدداً وقدراً وحياة وموتاً، فيوصي ابنه بتعظيم الله والإيمان بقدرته غير المحدودة، ومن ثَمَّ طاعته واتباع منهجه المعظم.
وفي الآية الثانية يوصيه بأمهات العبادات من إقامة الصلاة والخضوع فيها والخشوع، وألا يكتفي بالصلاح في نفسه حتى يدعو غيره، وأن يحمل مشعل الإصلاح في مجتمعه فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصبر على ذلك إن مسَّه مِن ورائه أذى من الخلق.
ثم يوصيه في الآية الثالثة بالبُعد عن مساوئ الآداب العامة في المجتمع؛ وذلك بعدم احتقار الغير ولا التكبر على الناس، والاعتدال في عواطفه ومشاعره، وعدم الفخر المطغي ولا التكبر المزري وألا يكون معجباً بنفسه مزرياً على الآخرين، والتخلص من هذه المساوئ لا بد له من علم وعدل؛ علم بالنفس والآخرين، والعدل مع النفس والآخرين.
ثم يوصيه في الآية الرابعة بالتوسط والاعتدال ومراعاة أعين الناس وسمعهم، فلا يمشي مشية المضطرب العجول ولا مشية المائع الكسول، وألا يُحدِث تلوثاً سمعيّاً ولا ضوضاء تؤذي الناس بصوته العالي، ولا يشق عليهم بصوته الخفيض غير المسموع، بل التوسط في الأمور والاعتدال في الأخلاق مفتاح لمحبة الخالق وقبول المخلوقين.
ومن خلال نموذج لقمان وابنه ندرك تماما أنه ما أحوجنا لإعادة صياغة التناصح والوصايا بين الآباء والأبناء.
-بتصرف-
المصدر: موقع طريق الإسلام
شاركنا بتعليقك