إسهامات

ولاية البيض هي إحدى ولايات الجزائر، تقع في الجزء الغربي من البلاد. تتميز بموقعها الجغرافي الذي يجعلها حلقة وصل بين الصحراء الكبرى وسواحل البحر الأبيض المتوسط. تقع على الحدود مع ولاية النعامة وولاية الأغواط، وتعتبر جزءًا من منطقة السهوب.

يعتمد اقتصادها بشكل كبير على الزراعة، خاصة زراعة الحبوب مثل القمح والشعير، كما أن لديها أنشطة رعي.

تتميز بمشاهد طبيعية متنوعة تشمل السهول والهضاب، وتوجد فيها مناطق صحراوية وجبال منخفضة وتحتوي على مواقع تاريخية وأثرية تعود إلى الفترات المختلفة من التاريخ الجزائري، بما في ذلك فترة الاستعمار الفرنسي.

قصر بوسمغون.. عتق التاريخ وعبق التراث

يقع قصر "بوسمغون" في إقليم ولاية البيض، وهي المدينة التي يؤكد علماء الآثار أنها من المدن الأثرية القديمة التي يعود وجودها إلى ما قبل التاريخ وذلك بناء على الحفريات والنقوش الحجرية التي اكتشفت بها، ومن ذلك ما اكتشفه الجيولوجي الفرنسي “فلاموند Flamand” سنة 1898م الذي ذكر في دراسة جيولوجية نشرتها أكاديمية البحث في الفنون الجميلة بباريس سنة 1899م أن “البيّض” كانت تشكل همزة وصل بين الحضارة المغاربية والحضارة الفرعونية.

والحديث عن “البيّض” يقتضي أيضا الوقوف عند المعلم الأثري التراثي المتمثل في قصر “بوسمغون” الذي يعدُّ أحد أهم القصور التاريخية بمنطقة البيَّض التي تختزن في كنانتها جزءا مهمّا من تاريخ الجزائر الديني والثقافي الذي امتدَّ إشعاعه ليشمل المنطقة المغاربية وجزءا من المنطقة العربية بفضل الأعمال والآثار الجليلة التي تركها الذين تربُّوا وتعلموا في رحاب قصر بوسمغون في المناطق العربية التي انتقلوا إليها.

لا شك أن الحديث عن الجانب الأثري والمعماري لقصر بوسمغون مهمٌّ، ولكن الأهم منه في تقديري هو الحديث عن الجانب التراثي الديني والاجتماعي لهذا القصر الذي كان يمثل مؤسسة دينية واجتماعية كبيرة تطلع بمهام الصلح والإصلاح الديني والاجتماعي في مرحلة عُرفت بطغيان ثقافة القبيلة التي عملت جهود القائمين على قصر بوسمغون وقصور البيَّض الأخرى على تهذيبها وتوجيهها وتخليصها من النعرات والنزعات والمظاهر السلبية للاجتماع القبلي، حسب تعبير علماء الاجتماع.

والحديث عن “قصر بوسمغون” يقتضي أيضا الحديث عن شخصية دينية واجتماعية كبيرة هو “سيدي بوسمغون” الذي يحمل القصر اسمه، و”سيدي بوسمغون” –حسب ما يذكره المؤرخون- من أصول مغربية وأفضل القول -تحريا للدقة- بأنه من أصول صحراوية لأنه ينحدر من الصحراء الكبرى وتحديدا من “الساقية الحمراء”، إذ يؤكد المؤرخون المتخصصون في الدراسات المغاربية القديمة بأنه خرج منها في رحلته الحجازية إلى المدينة المنورة ونزل في منطقة تدعى “وادي الأصنام” أو “وادي الصفاح” نسبة إلى الأحجار المصفحة الموجودة في الوادي، فنزل عند قبيلة “آت نقيت”، وكانت هذه المنطقة وما حولها معروفة بصراعاتها القبلية من أجل السيطرة على موارد الماء والكلأ، فهاله ما رأى وسمع فبادر بالصلح بين المتخاصمين ولم يكمل رحلته الحجازية وآثر البقاء بسبب إلحاح ساكنة المنطقة التي لمست فيه أخلاق الواعظ المُلهم والمصلح المحنك الذي حملت المنطقة فيما بعد اسمه وهي الحقيقة التاريخية التي يؤكدها “لوكارك” كما ورد في دراسة أثرية بعنوان: “قصر بوسمغون بولاية البيض: دراسة أثرية تحليلية” للباحثة “منى دحمون” لنيل درجة الماجستير في علم الآثار من معهد الآثار بجامعة الجزائر –قبل التقسيم -للسنة الجامعية 2004-2005.

ما أحوجنا نحن الجزائريين إلى قيم الصلاح وثقافة الصلح التي ميزت شخصية “سيدي بوسمغون” والتي كانت الرسالة الإسلامية والإنسانية التي انطلقت من رحاب “قصر بوسمغون” في “البيَّض” فأنارت على المنطقة المغاربية برمتها ووصل نورها إلى المنطقة العربية وما وراءها.

ما أحوجنا نحن الجزائريين إلى شخصية إسلامية جزائرية وسطية على شاكلة “سيدي بوسمغون” تشيع قيم التسامح في المجتمع الجزائري وتلعن الداعين إلى التنافر والتدابر بالاستثمار في طروحات عرقية لا مكان لها في الجزائر التي لم تكن ولن تكون مكانا لأي دعوة طائفية تستخدم العرق كأساس للتمييز بين الجزائريين.

الهندسة المعمارية للقصر

لقد جاءت الهندسة المعمارية للقصر منسجمة مع روح العمارة الصحراوية التي تعمل على صون البعد الإنساني وما يوفره من أمن واستقرار ينسجم مع التقاليد والمقومات الأخلاقية للسكاني فالبناء وضعت هندسته بدقة لتوفير السكينة والراحة والهدوء لساكنيه وكذا تشييده باستعمال مواد طبيعية محلية قصد التغلب على مصاعب طبيعة المنطقة وقساوتها على غرار الطين والحجر وجذوع النخيل والعرعار والدفلة.

كما ينتمي القصر في جل مواصفاته إلى العمارة الإسلامية من حيث توزيع الشوارع ومداخل القصر وأيضا مداخل البيوت والفتوحات، وتوفر الأماكن العامة كساحة "الجماعة" أو "تجامعت "، كما تسمى في وسط القصر والمسجد والأسواق.

وقد تميز المجتمع البوسمغوني بنظام اجتماعي متين، وفقا للمصادر التاريخية، فسكان القصر ينحدرون من قبائل "زناتة" الأمازيغية. وقد بقيت الأسرة في هذا المعلم التاريخي محافظة على الكثير من التقاليد المرتبطة ببعض المظاهر الاجتماعية كالاحتفال بمناسبات الزواج والختان وغيرها وأيضا كل ما يتصل بالعلاقات الاجتماعية والتعاون بين أفراد المجتمع.

-بتصرف-

المصادر:

- موقع وكالة الأنباء الجزائرية.

- موقع مؤسسة الشروق للنشر والإعلام.

شاركنا بتعليقك