إسهامات

ربما أخذ "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" (الغرس) اسمه من مشتقة اسمه البربري، فنحن ندعوه "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ"، وكلمة "إِغَسْ" تدل على أنه نشأ من نواة، أما مدلول الكلمة الثانية فقد غاب عن الأذهان، ولكنه يشير غالبا إلى مكان الانتقاء أو اسم المنتقي أو الصنف الأصلي. يعتبر "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" (الغرس) نخلة صلبة ذات جذع کثیف، ويمكن التعرف على قامتها الضخمة من بعيد. إنه صنف يكثر في مزاب وينتشر حتى في تونس مرورا بزلفانة وورقلة والزيبان وواد ريغ وواد سوف.

إنه ملك البستان، وقد يحدث أن يتوقف عن الإغلال بين الفينة والأخرى، ولكن إنتاجيته الفريدة كثيرا ما تعوض اختلالاته الموسمية، أما بسره فهو أصفر ويمكن أن يبلغ حجما هائلا إذا أبَّرته الرياح فقط وخففت حمولة الثمار، وأما تمره الكامل فذو لون عنبري، وهو لين، وذو رائحة ذكية وغني بالألياف ومنتج للدبس. إن رُطب هذا الصنف محبوب لنكهته الفاخرة الذكية، وهو صنف مبكر، ويمكن اختراف بواكيره منذ أواسط أوت، إلا أن معظم غلته يخزن مكبوسا في أكياس أو "بطانه". قد يبقى "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" مكبوسا لما يربو عن الخمس سنوات إذا عولج جيدا و عبئ داخل تغليف يمنع عنه الهواء (وهو ما لا تفعله أكياس القماش). إن محتواه من الدبس يبقيه طريا، يكاد يكون محفوظا في سكر.

إنه مفخرة العديد من الوصفات. فهو يدخل في تحضير الكسكس بالتمر "أُوشُو نْتِينِي"، إذ يطيب مرقه بصورة رائعة. يغسل التمر ثم يغمس في الماء الساخن لحوالي عشرين دقيقة. يوضع الحساء الغليظ المتحصل عليه في مصفاة ثم يدرج في مرق الكسكس التقليدي الذي قد حضر من قبل. الحساء الغليظ نفسه يدخل أيضا في تركيبة "تِيفَتِّيتِينْ"، وهو طبق من العجائن، يصنع مرقه من التمر ويكون مفلفلا بعض الشيء، أو كذلك تحضير "شَّخْشُوخَا"، وهي خليط من الخضر يقدم على خبز بائت يفتت.

إن "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" منزوع النوى يسهل عجنه، مما يجعله مهما في صناعة الحلويات والمحشيات (قضامات بالتمر، المقروض المقلي أو المطهو على صفائح الفرن، الخ) و قديما، كانت وسائل الطبخ الحديثة مثل الفرن منعدمة وعليه ابتكرت أطباق سريعة الطهو لا تتطلب تحضيرا مستهلكا للطاقة، وتجمع غالبا بين عجينة تمر بين "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" والسميد المحمص. وهكذا تم الحصول على طبق "أرفيس" التقليدي، وهو عبارة عن كريات سميد وتمر تخزن طويلا وكانت تشكل زاد المسافر، وإذا أضيف لها مسحوق الإقط، وهو جبن ماعز يابس ومهروس وبعض التوابل المعطرة نحصل على "تَكْضُورْتْ" وهي كريات تقدم مع الحليب.

اشتهر "إِغَسْ اُوطْشِيضَنْ" كأحد الأصناف التي تعيد القوة للذين يتماثلون للشفاء والمصابين بالأنيميا والنفساوات والأشخاص الذين يعانون من العجز الجنسي والذين يعانون من الأرق. يصنع منه خليط يمد بالطاقة يدعى "تِوْقِّيِينْ"، يضاف إليه العسل والجوز أو اللوز وحبات الدخن.

في فن الصيدلة التقليدية، يستعمل الغرس، بعد أن تضاف إليه مواد أخرى، لصناعة لزقات تخفف الألم وتنقص من الأورام الدموية.

بالإضافة إلى زيت الزيتون وأوراق الداتورة أو أزهارها يسهل طرد الأجسام الغريبة التي انغرست عرضاً في الجسم، وذلك بوضع الخليط في المنطقة المصابة، كما يستعمل بين الحين والآخر لنقش أشواك النخيل من أيدينا وأقدامنا. أما إذا أصيب المرء بكسر فيمكن أن يتبع حمية تتكون من تمر الغرس وزيت الزيتون والبيض، وإذا اتبع التمر بلبن الماعز فإنه يسرع انجبار العظم المكسور ويخفف الألم، وختاما يمكن أيضا مداواة الزكام ونزلات البرد باتباع حمية اشتهرت بنجاعتها تتكون من تمر الغرس يضم إليه الصعتر.

ورغم ثراء استعمالات التمر فإنني أعتقد أنه يوجد نقص في الإبداع على مستوى الواحة لتكون هذه الوصفات ملائمة لذوق العصر وتكيَّف مع تطور نظام الاستهلاك. كثيرة هي الوصفات القديمة التي قدمت لمزاولي الأعمال الشاقة، بيد أن المستهلك يفضل حاليا أغذية أقل ثراء وأكثر نعومة.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نخلة التمر يوميات يرويها عاذق. نور الدين بن سعدون. ص80-81.

شاركنا بتعليقك