إسهامات

إن مُطالبتنا -باعتبارنا مُربِّين سواء في المدارس أو البيوت- جميع تلاميذنا وأبنائنا الحصول على أعلى المعدلات؛ مهما كانت قدراتهم وظروف تعلّمهم، وحصر الجوائز في التلاميذ الحاصلين على أفضل النتائج وأعلى المعدلات؛ مع إهمال المثابرين الأقل تحصيلا، كل ذلك مناف للخصوصية الإنسانية، ولا يضع بعين الاعتبار تركيبية وعقيد الظاهرة التربوية.

  • فهل من العدل الحكم على التلميذ بالنتائج وحدها؟
  • أليست النتائج الدراسية هي محصلة عدة أسباب؟

إذا تحمل التلميذ جزءً من المسؤولية مع ذلك تبقى الكثير من الأسباب خارجة عن إدارته؛ إما لمحدودية قدراته الإدراكية، أو معاناته نفسيا أو صحيا، وقد يكون الأمر مرتبطا بالمدرِّس كشخصيته وتكوينه وأدائه، أو ما يتعلق بالمناخ المدرسي، أو الوسط العائلي (الحالة الاجتماعية والاقتصادية)، أو عوامل أخرى لا حصر لها.

لذا ينبغي إعادة الاعتبار للجهد المبذول من طرف المتعلم، الذي هو انعكاس للنية الصادقة والعزيمة على الموصول، كما أن اعتبار النية والإرادة واتخاذ الأسباب في المنظومة التربوية هو اعتبار للعالم الداخلي للمتعلم، الذي يمثل جوهر الإنسان، أنما النتيجة فهي مؤشر عرضي؛ لأنها مسرح تدخّل العالم الخارجي الذي لا نتحكم فيه، لذلك من اجتهد فله أجر وإن أخطأ، إذن يتعين على كل مربِّ أن يخاطب متربيه، ويحفزه، ويقيمه، ويجازيه على هذا الأساس.

ولعل الضغط على التلاميذ ومطالبتهم بحصد النتائج (النقاط) بأي طريقة، بغض النظر عن التكلفة المادية والمعنوية لذلك، هو ما يفسر استفحال ظاهرة الغش في الامتحانات، وهستيريا دروس الدعم، حيث تشمل جميع التلاميذ، في كل المستويات، وفي كل الموارد، من بداية السنة إلى نهايتها.

والفاتورة التي تم دفعها  مقابل الرغبة في حصول الجميع على أعلى النتائج تتضمن الوجه الشاحب للتربية والأخلاق في مخططات الوزارة، والإصلاحات الأخيرة، وتنظيمات الإدارة التربوية، والمناخ المدرسي، كما أن تقييم المؤسسات والتفاضل بينها يتركز على نسبة النجاح المحققة في الشهادات، وبالنتيجة تحولت عملية التربية والتعليم من رسالة نبيلة إلى مجرد ترويض وتدريب لاكتساب القدرة على اجتياز الاختبارات والتحضير للشهادات الورقية.

وفي هذا الصدد تقول الطالبة الجامعية أماني: "إننا نلحظ بشكل بارز أن طلاب اليوم يلهثون ويركضون وراء العلامات، ونتيجة لمتطلبات الحياة الكثيرة يكون جل التركيز على ذلك، فقد فقدنا الكثير من القيم والأخلاق التي تميزنا في خدمة المجتمع والتحلي بالأخلاق الحميدة، كذلك لا نهتم في كيفية حصول الطالب على العلامة ونتجاهل ذلك، فالعلامة باتت في يومنا هذا وللأسف تمثل قيمة الإنسان وليس اخلاقه وتربيته وقيمه!"

وتابعت أماني قائلة بحزم: "على سبيل المثال عندما نصادف أشخاصا أقرباء لنا نسألهم عن علاماتهم في المدارس، وعن نتائج البحوث وموضوع الدراسة الذي يودون الالتحاق به، لكن في المقابل لا نسألهم ماذا قدموا واعطوا لمجتمعهم وما هي القيم التي تميزهم عن الآخرين؛ وأحد الأسباب التي تدفع الطلاب للاهتمام بالعلامات أن المؤسسات التعليمية تضع جل اهتمامها وتركيزها على العلامات، وهم يتجاهلون القيم، وكذلك وزارة المعارف التي تقيس نجاح المعلم بنسبة التحصيل العلمي، ونحن نلحظ أن جميع المسؤولين في أقسام التربية والتعليم يكترثون للعلامات".

-بتصرف-

المصادر:

      - كتاب: النزعة المادية تصدّع أعمدة المدرسة، البشير تامجرت، ص 59 إلى 62.

      - موقع بانيت

شاركنا بتعليقك