قصورنا البشري يجعلنا ننظر إلى الوجود على أنه مجموعات من البنى المفككة والكتل المتناثرة؛ وحين نتعامل مع الأشياء نتعامل على أساس تلك النظرة، وإذا تأملنا جيدة وجدنا أن البارئ -سبحانه- وضع الأشياء كلها في إطار شبكة من العلاقات المتبادلة، حتى إنه ليمكننا القول: إن كل شيء يخضع لنوعين من الشروط: شروط ذاتية تحكمه على أنه بنية لها وجودها المستقل، وشروط علائقية تحكم وجوده على أنه جزء من منظومة أوسع، أو على أنه طرف في علاقة مع شيء آخر.
ومن خلال هذه الشروط وتلك تكتسب الأشياء سمة التفاعلية، فنحن في علاقتنا مع بعضنا، وفي علاقتنا مع البيئة المحيطة، لا نحتفظ بنقائنا، ولا نكون دائم في المركز، وغيرنا على الحواف، كما لا نكون دائما مؤثرين وغيرنا متأثرا أو العكس، فطبيعة التفاعل تقتضي أن يحدث تغير في وضع كل واحد من أطراف عملية التفاعل إلى درجة تبادل الأدوار، حيث يصبح الآخذ معطية والمعطي آخذ.
فإذا نظرنا النظرة الصحيحة إلى الأمور استطعنا أن نصهر الأشياء المتناقضة والمتضادة في بوتقة واحدة، فيصبح الضد بمثابة الحليف لما يضاده، بل أقول: يصبح الضد مكملا لما يضاده و عامل ترقية وتقدم له. وقديما قالوا: إن للشوهاء فضلا على الحسناء لأنه لولا الشوهاء لما عرفت الحسناء.
تفكير المسار الواحد يجعلنا نرى الشيء مؤثر غير متأثر، أو متأثر غير مؤثر، كما يجعلنا نرى الأشياء معزولة عن محيطها، وهذا يجعل مشاعرنا وتقويماتنا ومواقفنا تجاه كل ما نفكر فيه ونتعامل معه مشوهة مختلة، وذلك بسبب لحياتنا وعلاقاتنا أضرار بالغة، وسأضرب بعض الأمثلة التي توضح ما أريد تقريره هنا:
1. النقد والبناء بنيتان مختلفتان، ويمكن أن ننظر إليها على أنها شيئان متضادان، فالذي يبدو لنا أن البناء عمل تنفيذي إيجابي، على حين أن النقد شيء نظري سلبي؛ لكن عند التدقيق نجد أن كل واحد منهما مكمل للآخر، فنحن ننتج شيئا ما، ثم نقوم بنقده وتقويمه أو يفعل ذلك غيرنا؛ وبناء على ذلك النقد نغير في ذلك المنتج، وهكذا فالمنتج قدم مادة للناقد يمارس فيها فنه، ولولاها لما كان ثمة نقد.
والناقد قدم خدمة للمنتج حيث يمكنه من ترقية إنتاجه، وهكذا فتقدم البناء مرهون بوجود النقد، ووجود النقد مرهون بوجود البناء، وعلى هذا فالمنتجون بحاجة ماسة إلى النقاد، والنقاد بحاجة إلى المنتجين العاملين، وبذلك يكون تكامل الضدين أو المختلفين، وهذه الرؤية مختلفة تماما عن رؤية الذين لا يرون إلا عداوة النقاد لأصحاب الأعمال، والذين لا يرون سوى سذاجة المنتجين وأخطائهم كما يصورها النقاد، كما لا يرون فضل العاملين على النقاد.
2. التربية عملية تفاعلية، وسواء أكانت التربية شيئا نمارسه في البيوت على صورة تهذيب وغرس للقيم، أم كانت شيئا نمارسه في المدارس على هيئة تعليم وتدريب، وقد كانت النظرة القديمة تصور المربي مع من يربيه على أنها طرفان، ولكل طرف سمته وآدابه، كما أن تلك النظرة كانت تحكم على العلاقة بين الطرفين على أنها علاقة جامدة متكلسة، لكن الحقيقة ليست كذلك، فالآباء والأساتذة لا يشكلون الطرف الذي يربي فقط، كما أن الأبناء لا يشكلون الطرف الذي يتربى فقط كما يظهر للوهلة الأولى، فكل واحد منهما يربي ويتربى في آن واحد؛ إذ إننا معاشر الكبار تحمل معنا شيئا من طفولتنا إلى سن متأخرة، وبذلك نملك دون أن نشعر القابلية لأن نتربى ونتغير ونتعلم من الذين نربيهم ونعلمهم، فمهارات التربية والتعليم لا نكتسبها لولا الأبناء والطلاب؛ ولو تأملنا في تساؤلات طلاب الجامعة ومناقشاتهم وملاحظاتهم، لوجدنا أنها توفر لأساتذتهم الكثير من الأفكار والمعاني الجديدة، إن كل واحد من الطرفين يعطي ويأخذ، ويغير ويتغير، ولا وجود لأحدهما دون وجود الآخر، هذه الرؤية تفتح أمام المربين أبوابا جديدة للتعلم والفهم والاكتشاف عوضا عن الرؤية القديمة التي لا يبحث المربي من خلالها إلا عن خضوع الذين يربيهم وامتثالهم.
3. الرؤية الإسلامية في هذا الشأن فريدة ومدهشة حيث تعلمنا النصوص أن الخير والشر لا يكمنان في طبائع الأشياء، وإنها في نوعية علاقتنا بها وردود أفعالنا عليها، وهذا واضح في قوله -ﷺ-: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرا له".
الذي يفكر في مسار واحد ينظر إلى الآلام والمحن والمصائب نظرة أحادية، فلا يرى فيها إلا المنغصات، لكن النبي ﷺ يعلمنا كيف نضيف إلى تلك النظرة نظرة أخرى لنرى فيها شيئا آخر على نحو ما ورد من قوله ﷺ: "لا تسبوا الحمى، فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد".
إن المرض عبر هذه الرؤية المركبة ليس مصدرة للآلام فحسب، ولكنه مصدر لتكفير الخطايا ونيل الحسنات.
إن كثيرا من رؤيتنا المشوهة للأشياء نابع من أننا تعودنا ملاحظة وجه واحد وملاحظة اتجاه واحد لها، فينتهي بنا ذلك إلى أن علاقات الكون قائمة على الصراع، كما هو حال الرؤية الغربية في هذا الشأن.
أما الرؤية الإسلامية، فتجعلنا نشعر بتآلف الكون وتكامله وتسخير بعضه البعض، وعالمنا الحاضر بحاجة ماسة إلى هذه النظرة.
المصدر: كتاب خطوة نحو التفكير القويم، د. عبد الكريم بكار، صفحة 101-104.
شاركنا بتعليقك