1. إلى أي حد يحتاج من يريد النجاح إلى إقامة علاقات جيّدة مع الناس؟
ليس الذين يبحثون عن النجاح وحدهم هم الذين يحتاجون إلى العلاقات الاجتماعية الجيدة، فالناس يحملون مشاعر وأشواقا عميقة وأصيلة للقاء بعضهم بعضا، وتبادل الأفكار والأحاسيس والثناء والتقدير؛ وقد ذكرت بعض الدراسات أن العلاقات تشكل أكثر من 85٪ من مباهج الحياة وموارد الهناء والسرور.
وعلينا ألا ننسى أن علاقاتنا بعضنا ببعض تشكل أيضا طريقا لنيل الكثير من ثواب الله تعالى ورضوانه من خلال ما نعرفه من النصوص الكثيرة الدالة على فضل بر الوالدين والإنفاق على الزوجة والأولاد وإكرام الجار وحسن العهد مع الصديق...
ويحتاج الناجحون إلى علاقات جيدة مع الناس أكثر من غيرهم؛ لأن الناس الذين من حولك يستطيعون دفعك إلى الأمام، كما يستطيعون جذبك نحو الخلف. وعلاقتك بهم، أو نوعية علاقتك بهم هي التي توجه ذلك.
2. نحن نعرف أن الإنسان كلما تفوق زادت استقلاليته، وصار قادرا على القيام بشؤون نفسه، ونجد هذا واضحا في تدرج أوضاع الطفل حيث إنه كلما تقدم في السن وكبر تقل حاجته إلى غيره، ولا تزيد؟
كلامك صحيح والذي يتغير ليس الاحتياج من عدمه، ولكن نوعية الاحتياج والشروط التي تحكم ذلك الاحتياج، الطفل الرضيع تغطي والدته معظم احتياجاته فإذا صار في المدرسة صارت حاجته إلى عدد من الناس، هم المدرسون، وإلى من يوصله إلى المدرسة، وهكذا... وإذا أراد الإنسان أن يبني مصنعا كبيرا فإن تحقيق نجاح ذلك المصنع يحتاج إلى علاقات حسنة ومنظمة مع مئات أو ألوف الناس أحيانا وكلما كان النجاح الذي نريده ذا معنى وذا امتداد طويل كانت الحاجة إلى علاقات جيدة أعظم.
3. هل تعتقدون أن الأصل في علاقات الناس هو التلاؤم أو التنافر؟
الإنسان يأنس بالإنسان ويرتاح إليه على نحو عام، لكن كثرة الاحتكاك تكشف في كثير من الأحيان عن تفاصيل سيئة تؤدي إلى التنافر واختلاف وجهات النظر، ومهما يكن الأمر فإن تحسين العلاقات مع الناس يحتاج إلى أن يشذب المرء بعض الزوائد في شخصيته.
4. ما الذي تعنيه بالزوائد هنا؟
المقصود بالزوائد الصفات والأخلاق والسلوكيات التي ينفر منها الناس في العادة، وأمثلة ذلك كثيرة أذكر منها: حب الاطلاع على أسرار الناس وخصوصياتهم، السرعة في إطلاق الأحكام السلبية، محاولة كسب النفع بصورة مبالغ فيها من الصديق والزميل، الغيبة والنميمة، المبالغة في المديح والإطراء، كثرة الهذر والثرثرة ومحاولة السيطرة الكلامية على المجالس، الأنانية وحب الاستئثار، التكتم الزائد وتحويل كل شيء إلى أسرار...
5. الإنسان السريع الغضب كيف يتصرف حتى لا يخسر الناس؟
لا شك أن سرعة الغضب توجد حاجزا بين الشخص وبين الناس، حيث يتعاملون معه بوصفه إنسانا يعاني من نقص في التوازن، ويحتاج إلى المراعاة والمداراة، والواحد منا في حاجة إلى أن يملك نفسه ويمسكها عن الغضب، وقد عد ﷺ هذا رمزا للقوة الحقيقية حين قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" القضية تحتاج إلى مجاهدة للنفس والقيام ببعض الإجراءات الشخصية مثل الخروج من المجلس أو الوضوء أو تغيير الحديث الذي يمكن أن يثير الغضب، ونحن إلى جانب هذا في حاجة إلى أن نتعلم كيف نعبر عن غضبنا على نحو جيد فعوضا عن الصياح والهياج يعود المرء نفسه القول: إن هذا التصرف أو هذا الكلام أو هذا الموقف يزعجني، أو يثير غضبي، أو لا أجد أنه مناسب...
6. هل في العلاقات -كما هو الشأن في كثير من المجالات- شيء يمكن أن نسميه القاعدة الذهبية؟
نعم والقاعدة الذهبية هنا هي: "عامل الناس كما تحب أن يعاملوك"، وقد قال عن مشيرا إلى هذا: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». إن الناس على مستوى التفاصيل مختلفون لكن على المستوى العام هم متشابهون إلى حد بعيد؛ وعلى الواحد منا أن يستحضر أن ما يسره يسر غيره، وأن ما يكدره يكدر غيره.
7. كثيرا ما أشعر أننا في الوطن العربي نفقد الروح الجماعية، ونميل إلى الفردية المريضة، فهل هذا صحيح؟ وكيف نعالجه؟
أنا أشعر بمثل ما تشعر به، وعلى الرغم من كثرة النصوص التي تحث على التعاون وبناء فرقاء العمل هي في واقع الحال ضعيفة لدينا، وتفسيري لهذا يعود إلى عدم دخول مجتمعاتنا في المرحلة الصناعية على نحو مقبول، حيث يتعلم الناس في البلاد التي يغلب عليها التصنيع أهمية الإنجازات الجماعية وضرورة تشكيل المنظومات.
وعلينا أن نعمق في حياتنا معنى الشورى والحوار والتفاوض، وأن نحاول أن نجتهد عبر مؤسسات جماعية، وأن نفكر كذلك من خلال جلسات عصف الأفكار.
8. هذه مقترحات جميلة، لكن الواحد منا إذا أراد أن يعمل على تأهيل نفسه للعمل ضمن فريق ماذا يصنع؟
عليه أن يشذب الزوائد في شخصيته، وعليه إلى جانب ذلك أن يشاور أعضاء الفريق قبل اتخاذ أي قرار أو إجراء يمس أعضاء فريقه، كما أن عليه أن يحافظ على أسرار العمل وأن يفهم الخلفية الثقافية الأعضاء الفريق؛ حتى يسهل فهم أقوالهم وتفسير أعمالهم كما أن عليه أن يفهم أيضا طبيعة المهمة الموكلة إليه، وأن يفهم طبيعة الصلاحيات التي فوضت إليه، وطبيعة العلاقات التي تربطه برؤسائه ومرؤوسيه داخل العمل...
9. أحيانا يشعر الإنسان أنه يتلقى من الناس حوله من الاحترام والتقدير أقل مما يستحق، فماذا ترى في هذا؟
يجب أن نعتقد أولا أن احترام الناس لنا فرع عن احترامنا لأنفسنا، على حد قول الشاعر:
إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها هوانا بها كان على الناس أهونا
ثم إن علينا ثانيا ألا نتوقع من الناس الكثير فهذا أبقى لعلاقاتنا، وأكثر إراحة لقلوبنا. ومن المهم أن أدرك أن نظرة الله -جل وعلا- إلي ونظرتي لنفسي أهم من نظرة الناس.
10. هل يمكن أن نذكر نقاطا جوهرية في بناء العلاقات الجيدة، وتكون كل نقطة في سطر لنتخذ منها أشبه بمبادئ أو وصايا أو شعارات في هذا الشأن؟ الحقيقة أن ما يمكن أن نقوله هنا كثير، فلنقتصر على أكثر أهمية:
-بتصرف-
المصدر: كتاب من أجل النجاح، د. عبد الكريم بكار، صفحة 87-93.
شاركنا بتعليقك