إسهامات

تتمة المقال: كيف تمكن المزابيون من القضاء على حملة شارلكان؟ (01)

... وكان آنذاك مجموع المقيمين في المدينة من أهالي الجزائر والتجار والحرفيين المزابيين وافرا فعقد العزم بعض رجال الفتوة منهم على إنقاذ مدينة الجزائر من غزو وهجوم الإسبان، فذهبوا إلى الباشا حاكم المدينة وأبلغوه مطلبا يقضي التصريح بموافقته على أن يمكنهم امتيازا على ممارسة المهن التالية:

1. استغلال حمامات المدينة.

2. احتكار حرفة الجزارة لمراقبة الذبح على الشرع الإسلامي.

3. تعيين أمين لهم من انفسهم تخول إليه وحده صلاحيات الشرطة والتقاضي لديه عن كل دعوی بالترافع أمام هيئة اتحاد حرفهم -مقابل تخليص المدينة من تدمير مدفعية العدو-، فما كان من الباشا في هذا الظرف العصيب سوى قبول هذا العرض المشرف مقدرا أبعاد هذه التضحية السامية لهؤلاء الرجال المخلصين لوطنهم.

المكيدة المتخذة خديعة من فرسان بني مزاب لبلوغ هدفهم من مواقع العدو دون خطر

استتر هؤلاء متنكرين في لباس النسوة مغطين وجوههم بأقنعة كالتي تضعها النسوة المغربيات ستارا لزينتهن -لئلا يكتشف أمرهم باللحى والشوارب- وتحت الحياك التي ارتدوها مسدسات مشحونة وخناجر محدودبة النصال مسننة الأشفار.

وغادروا المدينة من الباب الجديد في موكب متوجهين نحو المواقع الرهيبة المقصودة بالذات، وعندما رآهم الإسبان قاصدين مواقعهم المعتصمين في خنادق القلعة كفوا عن إطلاق النار ظانين أن سكان المدينة قرروا الاستسلام وطلب الأمان حسبما جرى به العمل لدى المسلمين من مشاهدة أمثال هذه المواكب من النسوة المتضرعات التي يسبقن وفود القادة أو الأمراء المغلوبين على أمرهم المستسلمين للمنتصر الراجين رحمته.

اقتحام حصن العدو

تمكن المهاجمون المخادعون من اقتحام الحصن دون مشقة أو عناء. وما إن وطئت أقدام آخرهم داخله حتى انقلبوا فجأة من طور المهادنة والإذعان إلى الهجوم الخاطف، وأفرغوا أسلحتهم النارية على الحامية من رجال الإسبان الواثقين من أنفسهم اغترارا. وكانت معركة رهيبة احتدم القتال أثناءها واستبسل فيها المتحاربان كل منهما على حسب طاقاته. وفي حمأة الاشتباك استخدمت الخناجر والمدى وشتى أساليب المصارعة بوحشية أسفرت نهايتها عن مقتل آخر مدافع محتل لهذا المركز الحصين.

ولكن هذه المباغتة الأثيمة التي أودت بحياة العديد من فرسان جيش الإسبان لم تخل دون مصرع مثيلهم من رجال بني مزاب المنتصرين عندئذ وسادة الحصن الجدد.

تسليم حصن مولاي حسن إلى السلطات المحلية التركية

وتوجت عملية رجال الفترة المزابيين بنصر مبين أطلقت أثره إشارة تنبیء سرية من مشاة الأتراك بسقوطه بين أيديهم. وكان متفقا عليه أن تمكث الأخيرة خلف مدخل المدينة الباب الجديد في موقف استعداد وانتظار لعاقبة مصير المعركة. فهبت مسرعة على عجل وتسلمت حصن برح بوليلة من فاتحيه الفدائيين من بني مزاب.

وبهذه العملية الجريئة المتمثلة في تضحية مآلها الموت المحتوم، قدم بعض رجال الفتوة من بني مزاب أروع صفحة للفداء وبطولة أبناء الجزائر. وبهذه الغارة تخلصت مدينة الجزائر ومعالمها الحضارية من تهديم وتخريب لا مناص منه ونجت البلاد عموما من خطر وشر غزو واحتلال أجنبي محقق.

وظلت هذه المأثرة الحربية رغم تعاقب الأحداث والسنين مفخرة ومثلا في الشجاعة والقتال ترويها الأجيال المتعاقبة عبر التاريخ إلى اليوم أبا عن جد.

وفسر المؤرخون العرب نجاح هذه المحاولة بقيام المزابين بتضليل قادة جيش العدو عما يراد به. وكذا صرف أنظار الحامية عن واجبها العسكري الذي تفرضه ظروف اليقظة والاحتراس ويستطرد مضيفا إلى ما سبق قوله: "ربما كان إقدام المزابيين على الفداء والاستماتة تجاه العدو منشؤه يأنفون ترك مفخرة تخليص مدينة الجزائر من يد الإسبان المشهورة بكونها معقل شريعة الإسلام ومهد القرصنة البحرية لفئة أخرى من المنشقين عن مذهبهم المخالفين لعقيدتهم".

-بتصرف-

المصدر: كتاب نبذة من حياة الميزابيين الدينية والسياسية والعلمية من سنة 1505م إلى 1962م، الجزء الأول، حمو محمد عيسى النوري، ص213-216.

شاركنا بتعليقك