إسهامات

كم سيكون مؤلما حين يكتشف المرء بعد أن يقضي قسمة كبيرة من حياته أنه كان منشغلا على الدوام بمتاعب لم تقع، وخائفة من أشياء وهمية، لا وجود لها إلا في عقله، طاقات بددت، وأوقات ضاعت، وأشياء مهمة كان ينبغي أن ينجزها صُرف عنها... ولذا فإن من الضروري للواحد منا أن يتخلص من الانشغال بالأمور غير الهامة، والأمور غير الممكنة، والأمور غير القابلة للحل؟، ليحافظ على لياقته النفسية، وليستخدم جهوده وإمكاناته فيما يعود عليه بالنفع، وهذه بعض الأفكار التي تساعد على ذلك:

- حين يقع أمر سيئ، أو نتوقع حدوثه، فإن تياراً من الهموم المكثفة، يجتاح الواحد منا، ويغمره بآلامه وهواجسه، ومع مرور الوقت يتضاءل كل ذلك إلى أن يتلاشى؛ وقد قالوا: "كل شيء يكون صغيرا ثم يكبر إلا المصيبة تكون كبيرة ثم تصغر".

وقد يتضح أن ذلك كان ينطوي على الكثير من الخير، وفي الحديث الشريف: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، فأول المصيبة، هو الذي يحتاج إلى استجماع قوى المقاومة، والمهم أن نشتت الوقع النفسي لما وقع، أو لما يتوقع أن يقع، قبل أن تشتته حوادث الأيام والليالي، وذلك من خلال تجاوز الحاضر، والاستبشار بما هو آت، وبإمكان الواحد منا أن يسأل نفسه: ماذا ستكون أهمية هذا الذي يشغلني بعد عام، أو بعد خمسة أعوام؟ لا شك أنها ستكون ضئيلة جدا، حين يرسب طالب في مستوى من المستويات، أو يتوقع الرسوب، فإنه يعيش أهوال كارثة حقيقية، حيث إن تخرجه سيتأخر سنة عن موعده المأمول، ولو أن أحد الخريجين سأل نفسه بعد عشرين سنة من التخرج: ما الأمور التي كانت ستتغير في حياتي لو أنني تخرجت عام 1420 بدل عام 1421؟ لوجد أن لا شيء يستحق الذكر.

- حين نقلق من حدوث أمر ما، فلنسأل أنفسنا: هل هذا الأمر المتوقع حدوثه يستحق كل هذا الانزعاج، وكل هذه الحسابات؟ إن أهم مواردنا الوقت والطاقة المختزنة، ومن السهل أن نهدر هذين الموردين العظيمين في أمور تافهة، أو حين نعطي أمورة كبيرة أكثر مما تستحق من الاهتمام والانشغال، علينا أن نتذكر دائما حين نقلق لأمر ما أن هناك الكثير من المهمات التي تنتظرنا، وسيكون من غير الحكمة الانصراف عنها.

- إخراج ما يقلق إلى منطقة الوعي، أمر في غاية الأهمية؛ إذ إن أخطر ما في القلق هو الغموض والإبهام، ولذا فإن من المهم أن نحدد بدقة ما يقلقنا، ونحدد موقفنا منه، من خلال مجموعة من الأسئلة:

السؤال الأول: ما الذي يقلقني؟

السؤال الثاني: هل هناك ما بوسعي أن أفعله حياله؟

إذا كان الجواب (لا)، فتوقف عن الانشغال به، واعمل على إلهاء نفسك بشيء نافع، وإذا كان الجواب (نعم) فاعمل على أن تخرج من الحالة التي أنت فيها بما تستطيع عمله، واكتب قائمة بذلك.

السؤال الثالث: هل هناك أي شيء أستطيع أن أقوم به على الفور؟

إذا كان الجواب (لا) فاشتغل بالتخطيط لما تستطيع أن تقوم به، وحدد وقتا لذلك.

وإذا كان الجواب (نعم)، فابدأ به لتجد المقلقات تتساقط من حولك، وقد قالوا: "عقل الكسلان بيت الشيطان"، فالمقلقات تسيطر على الفارغين الذين لا يجدون ما يشتغلون به؛ ولذا فإن ملء الوقت وشغل النفس بالأشياء المفيدة، هو صمام الأمان الذي يحول دون تمادي القلق في إزعاجه.

- إذا ما حاصرتنا الهموم، ولم نجد منها مفراً، فالحكمة آنذاك ألا نتجاهلها وندافعها إلى ما لا نهاية، وإنما أن نعطيها جزءاً من وقتنا للتفكير فيها، كأن نخصص لها ساعة يوميا، وحين تأتي المقلقات في غير تلك الساعة، فينبغي أن نعمل على تأجيلها، وحين يحين وقت الانشغال بها، فلنحاول أن نصور کل مصدر قلق على أنه مشكلة منفردة، تستدعي حلا معينا، وبذلك نكون قد ضربنا سورة حول القلق، فلا يطرق في كل الأوقات، كما نكون قد حولناه من هواجس مزعجة إلى شيء محدد، يمكن التعامل معه.

كل ذلك يحتاج من الواحد منا ألا يعطي الدنيا ومشكلاتها أكثر مما تستحق، وأن يعمر قلبه بذكر الله - تعالى - ويثق بعونه ولطفه، كما يحتاج إلى إرادة صلبة حتى يقاوم هذا المرض.

المصدر: كتاب: عصرنا والعيش في زمانه الصعب د. عبد الكريم بكار ص 188.

شاركنا بتعليقك