إسهامات

إن من سنة الله تعالى الكونية تنوع أفراد المجتمع، ففيهم الصالح والطالح، البَرُّ والفاجر، والمؤمن والمنافق، فيهم حزب الله وحزب الشيطان. وكل يعمل على شاكلته ﴿ومَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الأعراف: 178.

الصالحون والطالحون، المصلحون والمفسدون، يعيشون في بلدٍ واحد، ويركبون في مَركَب واحدًا، وتركُ المفسدين يُفسدون في المركب ويخرقونه سيكون سببًا في هلاك الجميع.

اسمع وتأمل إلى تصوير النبي ﷺ لهذا المثال، روى البخاري وغيره من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال: "مثلُ القائمِ على حدودِ اللَّهِ والواقعِ فيها: كمثلِ قومٍ استَهموا على سفينةٍ، فأصابَ بعضُهم أعلاَها وبعضُهم أسفلَها، فَكانَ الَّذينَ في أسفلِها إذا استقوا منَ الماءِ مرُّوا على من فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يترُكوهم وما أرادوا هلَكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".

تأمل في الحديث السابق، المفسدون الذين خرقوا السفينة كان لهم تأويل، ويرون أنهم على حق، يريدون ألا يُشُقُّوا على من فوقهم بكثرة ترددهم عليهم لسُقيا الماء، فخرقوا في خشب السفينة خرقًا يستقون منه الماء، لكن هذا التأويل فاسد، وسيكون سببًا لهلاكهم وغرقهم، بل سيكون سببًا لغرق من فوقهم معهم، إذا سكتوا عن الأخذ على أيديهم.

في كل مجتمع هناك فئة تخرق السفينة، من حيث تعلم أو لا تعلم، فإن أُخذ على يديها نجت ونجا المجتمع، وإن تركت تفعل ما تشاء غرقت وأغرقت المجتمع.

تأملوا في أحوال من قبلَنا، وقلبوا صفحات التاريخ، ستجدون أن من أهم أسباب هلاك الأمم، وسقوط الدول: خارقوا السفن.

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ الأنعام: 6.

 هذا فرعون وقومه وهؤلاء قومُ نوحٍ وعادٌ وثمودُ وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين.. كلهم عاشوا وملكوا الأرض ثم فسقوا فأهلكهم الله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ♦ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ♦ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ الحج: 42- 44.

الدولة الأموية.. الدولة العباسية.. ودويلات الأندلس والدولة العثمانية وغيرها.. لما ركن أربابها إلى الدنيا، وغرقوا بالمعاصي، وفشت فيهم المنكرات، سقطت هذه الدول، وأصبحت أثراً بعد عين، لم تنفعهم أمجادهم، ولا أجدادهم، لم تنفعهم أموالهم ولا أولادهم.

 إن أغلب ما يكون الفسق والفساد في المجتمع من المترفين ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ الإسراء: 16.

خارقو السفينة في كل مجتمع يرون أنهم مصلحون، وأنهم يرتقون به على طريق التقدم، وهذه مقولة أسلافهم، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ♦ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُون﴾ البقرة: 11، 12.

_بتصرف_

المصدر: موقع ملتقى الخطباء

شاركنا بتعليقك