"متى تَفَتَّحَ عقل الإنسان بفكرة جديدة فلن يعود أبدًا إلى آفاقه الأصلية" أوليفييه وينديل هولمس
يعتبر دكتور سيونج يوانج باركر رئيس مجلس إدارة شركة كيونو، ومؤسس شركة طيران أسيانا واحدًا من أكثر الأشخاص الناجحين في كوريا، وقد بدأ والده الطريق؛ كسائق لإحدى سيارات الأجرة، وقرَّر أن يتوسَّع فقام بشراء السيارة التي يعمل عليها، ثم قام بشراء سيارة أخرى، وعندما بدأ في تنفيذ أحلامه لتوسّعات أكبر، وبناء ثروة ضخمة، قامت الحكومة بمصادرة كل ما يملكه، وكان ذلك أثناء الحرب الكورية، ثُمَّ توفّي الرجل بعد ذلك بفترة قصيرة، ورأى دكتور باركر ما حدث لوالده فقرَّر أن يشتري سيَّارة، ويقوم هو نفسه بالعمل عليها كسائق.
ثم قام بشراء سيَّارة ثانية، وخصَّصها لأحد أفراد العائلة للعمل عليها، وظلَّ على هذا المِنْوَال في استِثْمار أرباحه إلى أن كوَّن إمبراطورية اقتصادية، ثُمَّ قرَّر أن يبدأ في مغامرة جديدة فاشترى حافلة حتى يمكنه مساعدة عدد أكبر من الناس بطريقة أسرع، وازدهر عمله حتى قام ببناء إمبراطورية أخرى من خلال الحافِلات التي يَمْلكها، وظلَّ ينتقل ويتقدَّمُ مِنْ نَجاح إلى نجاحٍ أكبر؛ حتى توسَّع بِدُخوله إلى مجال الطيران، وكوَّن شركة أسيانا إير لينز، وتكبَّد في البداية خسائِرَ ضَخْمةً، ونصحه النَّاس بأن يتركَ هذا المجال؛ خشية أن يَخْسَرَ كُلَّ شيء، ولكنَّهُ تَجاهَلَ هذه النَّصائح واستمرَّ في مشروعه، وبعد عقباتٍ وَنكساتٍ كثيرةٍ، وخسارات ماليَّة ضخْمة، حَوّل الوضع، وأصبحت شركة أسيانا من الشركات الرابحة التي تدر عائدًا يتعدَّى الـ 20 مليون دولار سنويًّا. وفي مقابلة مع محطة الأخبار التليفزيونية الشهيرة "CNN" سُئِلَ باركر عن سِرّ نجاحه فكان رده: "الأمانة والانضباط، فقد عودت نفسي على الانضباط لأحصل على ما أريد، وأن أخصّص وقتًا للعمل، ووقتًا للعائِلة، ووقتًا لصِحَّتِي، وأنا أستمتع جدًّا بعملي، وأهدف في كل ما أفعله إلى الامتياز".
هذا مثالٌ لرجل بدأ من لا شيء، وأصبح من كبار الأثرياء؛ بسبب تكريس حياته للوصول إلى أهدافه، وأيضًا بسبب أمانته وانضباطه.
أملك خطة ولكن لا أنضبط عليها..
حدث مرَّةً أن طلب أحد الأشخاص مساعدتي حتَّى يتمكن من إنقاص وزنه، وقال إن حياته أصبحت غاية في الارتباك بعدما زاد وزنه إلى تلك الدرجة، وقد جَرّب كل الطرق المطروحة للتخسيس ولكن بدون فائدة، وعندما سألته عما يحتاجه للوصول إلى الوزن المثالي كان رده "أنا لا أعرف وهذا هو السبب لأني موجود هنا الآن"، فسألته: "إذا كان جسمك رشيقًا فما الذي تفعله حتَّى تحافظ على هذه الرشاقة؟"، فقال: "في هذه الحالة كنت أمارس التمارين الرياضية ثلاثَ مرَّات أسبوعيًّا على الأقلّ، بالإضافة إلى تناول الطعام الصحي، ومصاحبة الأشخاص الأصحَّاء؛ وربما كنت ألتقي مع الأشخاص ذوي اللياقة العالية؛ حتى أقوم بعمل ما يقومون به"، وكان السؤال الطبيعي من ناحيتي هو "ولماذا لا تقوم بعمل ذلك؟"، ولكنَّه لم يقم بالرد، هذا الرَّجُل عنده خطة استراتيجية ممتازة لتقليل وزنه، وفي إمكانه أن يكون رشيقًا، ويكون شعوره بالتالي أفضل مما كان عليه، وتكون حياته أسعد؛ ولكنه لم ينفذ هذه الخطة، ولذلك حضر عندي حتى أوجهه إلى خطة سحرية.
وإذا قمنا بتحليل موقف هذا الشخص، نجد أنه لم تكن تنقصه أي إمكانيات، فلم يكن المال عقبة في تحقيق حلمه؛ بدليل أنه أنْفَقَ الكثير على الأدوية، والطرق المطروحة في السوق في ذلك الوقت، بالإضافة إلى أنه كان لديه الوقت الكافي لتنفيذ خطته، فما الذي كان ينقصه بالتحديد؟ الرد على ذلك هو أنَّه لم يكن لديه الانضباط، الذي يجعله يتصرَّفُ التصرُّف السليم لتحقيق هدفه؛ لذلك كان تركيزي في خُطْوَات علاجِه على الانضباط، وساعدته على تنفيذ خطته الاستراتيجية وتحقيقها في خطوات صغيرة، اعتمدت أساسًا على الاستمرارية في التنفيذ والانضباط، وساعدتُه على تنميه صورته الذاتية الإيجابية، مما أوصله في النهاية إلى تحقيق هدفه، وقد نجح في إنقاص وزنه بأكثر من 80 رطلاً، ويمارس التمارين الرياضية بانتظام مرتين على الأقل في الأسبوع، وأصبحت حياته أكثر سعادة عما كانت عليه.
كلنا يمكنه الانضباط ..
في إحدى المحاضرات عن سيادة الذات، قلت للمشتركين: إنهم كانوا منضبطين طوال حياتهم، فسألني البعض باندهاش: "وكيف توصَّلت إلى ذلك؟"، فسألت أحدهم: "هل تشاهد التليفزيون بانتظام؟"، فقال: "نعم كل يوم تقريبًا"، فسألته: "منذ متى وأنت تداوم على ذلك؟"، فقال: "من حوالي 12 سنة"، نستخلص من ذلك أنَّه شخص منضبط لمشاهدة التليفزيون.
هذا المثال يوضح مدى الالتزام، فالأوَّل ملتزم بأن يقضي على نفسه، والثاني ملتزم بأن يُضَيّع وقته!! فنَحْنُ دائمًا منْضَبِطُون؛ ولكنَّ الكثيرين يَستخدمون الانضباط في تكوين عادات سلبيَّة مثل: التدخين؛ والأكل بشراهة؛ وإدمان الخمور والمخدرات، ومشاهدة التليفزيون بكثرة، وعدم ممارسة الرياضة؛ بينما نجدُ الأشخاص الناجحين يستعملون قوة الانضباط الشخصي في تحسين مستوى حياتِهم؛ ليعيشوا حياةً أسعد؛ ولتحسين دخولهم، والارتفاع بمستوى صحتهم، والحياة بطريقة متكاملة، فبدونِ الانْضِبَاط لن يكون لَدَيْنَا أيُّ طاقة لتحقيق أي هدف.
وبالانضباط الذَّاتِيّ سيمكنك المداومة على التمرينات الرياضية، والمحافظة بالتالي على اللياقة البدنيَّة، وستتحكَّم في عواطفك تحت أي ظروف، وبالانضباط يمكنك الاستيقاظ مُبَكّرًا، والابتعاد عن العادات السيئة؛ كالتدخين؛ أو شرب الخمر؛ أو الشراهة في الأكل؛ حتى لو كانت تلك العادات السيئة تتملك منك منذ زمنٍ طويل، وسيساعدك الانضباط الذاتي على تغيير البرمجة التي تحدّ من تصرفاتك إلى البرمجة الإيجابية، التي تساعدك على توجيه طاقاتك تجاه النجاح، هذه هي قوة الانضباط الذاتي.
من السهل طبعًا أن تقوم بإضاعة الوقت في الأشياء غير المجدية، أو ألا تقوم بعمل أي شيء بالمرة، ورُبَّما يكون من الأسهل على الشخص أن يداوم على التدخين بدلاً من الانتظام في التمارين الرياضية، فالعادات السيئة تعطيك المتعة؛ ولكن لمدى قصير؛ بينما هي نفسها التي تعطيك الألم والمعاناة على المدى الطويل.
هل تعرف بعض الأشخاص الذين أبدَوْا رغبة في تعلم إحدى اللغات الجديدة، وقاموا بتسجيل أنفسهم، ودفع الرسوم المطلوبة للدَّورة الدراسية، وقاموا بشراء الكتب، وانتظموا في الحضور في الأسابيع الأولى، ثم بدؤُوا في التسيُّب، وعدم الالتزام، والكسل عن الحضور بانتظام، وأخيرًا قاموا بترك الدراسة بأكملها؟ كم منَّا قام بشراء الكتب التي لم يقْرَأْها ولو مرة؟ كم منا قام بشراء شرائط تسجيلية ولم يقم بسماعها على الإطلاق؟
شيء جميل أن يكون عندك الرغبة في النجاح وتحسين حياتك، وأيضًا من الواجب أن تتصرف وتلتزم وتكون مرنًا، ولكن إذا لم يكن عندك الانضباط أن تقوم بالمداومة على ذلك يوميًّا، وبنفس الحماس، فإنك قطعًا ستفشل، ففي رياضة الكاراتيه مثلاً قابلت كثيرًا من الأشخاص الذين يقومون بتسجيل أنفسهم بهدف الانتظام في التدريب؛ للوصول إلى درجة عالية من الصحة، وبلوغ القدرة على حماية أنفسهم، فيبدؤون في التدريبات، ويتعلمون الخطوات والحركات الأولية البسيطة، ثم يتركون الدورة التدريبية كلها، والقليلون منهم فقط هم الذين يكملون المشوار، ويحصلون على الحزام الأسود، والسبب في ذلك الانضباط الذاتي من عدمه.
-بتصرف-
المصدر: شبكة الألوكة
شاركنا بتعليقك