إسهامات

تحول الناس مع تنامي العالم الرقمي إلى حالة من الهوس أحيانا، والاستسلام الصامت مع التهوين أحيانا أخرى، والتهويل المخيف المبالغ فيه في بعض المناسبات؛ وحار الجميع بكلِّ أطيافهم وأجناسهم، وبجميع مستوياتهم المعيشية والثقافية؛ ففقدوا السيطرة على هذه الوسائل، وما هي بمطلوبة؛ وعجزوا عن البديل، وهو ما يجب أن يكون.

انتشرت هذه الأيام أخبار الأطفال المنتحِرين، الذي وقعوا فريسة سهلة بين مخالب "الحوت الأزرق" الإلكتروني لا البحري؛ فتجندت بعض المدارس لتوعية تلاميذها، ومنها "المدرسة العلمية" وأخواتها؛ وهذا ما ينبغي أن يكون في جميع المؤسَّسات التربوية؛ وأبانت الملاحظات الظاهرة أنَّ الآباء إلا قليلاً منشغلون ببورصة الدولار واليورو، والأمهات يعشن في عالم آخر من هموم الحياة اليومية؛ وبقي الأطفال هدفا سائغا لمسدَّسات المجرمين، وصيدا سهلا للمفترسين الشرسين؛ ولكأننا لم نستوعب بعد حجم الخطر، وكأنَّ النار لم تنشر ألسنة لهيبها بين جنبات بيوتنا؛ هو خطر ماثل بننا برعاية منا، وبعناية من سفهائنا.

في مثل هذه المواقف والظروف، لا بد من تنبيهات، ولا مهرب من توجيهات، ولا حجة لمن يدير ظهره لواقع الناس ويسبَح في محيطاتٍ وبحار من مواضيع لم تعد تهم أحدا، يَصيدون سمكا هزيلا لم يعد يغري أحدا، ومن هذه التنبيهات والملاحظات نذكر:

1. أنَّ الأطفال القصَّر، ما لم يبلغوا سن الرشد أبرياء، وكل ما يصدر منهم هو فعل بريء؛ لا يؤاخذون عليه شرعا، ولا عقلا، ولا قانونا.

2. أنَّ هؤلاء الأطفال تقع مسؤوليتهم الشرعية والخلقية والمدنية والقانونية على عاتق أوليائهم؛ ومن ثم ما كان من فعل حسن فهو منسوب إلى الوالدين، وما كان من انحراف أو انجراف فهو في دائرة مسؤولية الوالدين.

3. أنَّ الوسائل الإعلامية المعاصرة، والتقنيات الرقمية الهائلة، والوسائط المتعددة الهائجة، وجميع ما يحوم حولها وما يخدمها: من اتصال بالأنترنت، وخط الهاتف المتصل بالشبكة، وغير المتصل... جميع ذلك هو واقع تحت مسؤولية الوالدين في البيت، وتحت مسؤولية المؤسسة التربوية في المدرسة، وضمن مسؤولية المجتمع في الشارع؛ ويحرم شرعا أن يقال: هو مما عمت به البلوى، وأننا لا نملك له توجيها ولا تنظيما.

4. أن المطلوب ليس القهر، ولا المنع، ولا التجريم... للأبناء؛ وإنما الواجب شرعا هو التوجيه والمرافقة، والحرص واليقظة؛ فمن وفَّر لابنه مساحة للخلو بنفسه مع الغث والسمين في أي شاشة من الشاشات، فقد أثم وعصَا الله تعالى؛ وما يقترفه هذا الابن مما يحرم شرعا من مشاهدات الفساد، والعري، والألعاب الفاتكة بالضمير، والدعاوى الفاسقة... يكون إثمه ووزره على الوالدين، ولا اعتبار لكونهما يعلَمان أو لا يعلَمان؛ ذلك أنَّ الواجب هو توفير الظروف الملائمة لكي يكون الابن متصلا، في حال الإمكان، لكن في مأمن من قطَّاع الطرق، وفي فجوة من صائدي البراءة.

5. على المساجد أن تقترب في خطابها أكثر من عالم الشباب، وتخاطب الناس بما يفهمون، وبما يعيشون يوميا من تحديات تحملها إليهم هواتفهم الذكية، ولوحاتهم الإلكترونية، وشاشاتهم المسطحة... وأن لا ينفِّروا الشباب بالحديث عن قضايا أكل الدهر منها وشرب، قضايا لا تعنيهم في شيء، ولا تحرك فيهم اهتماما ولا حرصا؛ فعلى المساجد أن يكون خطابها بهذا النفَس الرباني، وحين تنظيمها لمدارس القرآن الكريم، أن تكون كذلك حاضرة ويقظة في مثل هذه المسائل.

6. على المؤسسات التكنولوجية الخاصة والعامة، الاعتناء بهذا المجال، بتوفير برامج، وتقنيات، ومكتشفات، ومخططات، وتكوينات جادة للناس؛ في علاقتها بالعالم الرقمي، كي لا يسقطوا في فخ الاستسهال الفاجر، ويجدوا من البدائل ما ينجيهم دنيا وآخرة.

7. في حال "الحوت الأزرق"، وما شابهه من الألعاب، هي قانونيا ممنوعة، والأصل أن تجرم الدولة كل من يمارسها، أو يوفرها لابنه، وأن تغرم وتعاقب؛ معاقبة شديدة؛ ثم إن الأصل أن الدولة توفر الحماية لأطفالها، وتوفر الوسائل التكنولوجية المتطورة لتعطيل وإيقاف مثل هذه البرامج، ثم لتوعية الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة، بمخاطرها وتبعاتها؛ وإن لم تفعل فقد فرطت وضيعت أمانتها.

8. كلُّ ضرر يترتب عن هذه الوسائل، من ممارسات محرمة، أو جرح للجسم، أو هتك للعرض؛ أو انتحار أو قتلٍ؛ يقع الذنب والوزر فيه على الأولياء أولا، وعلى من كان مسؤولا ولم يتدخل ثانيا؛ ويجدر بنا أن نعلن بالفتوى التي تقع على "ولي أمرٍ" فرط في حق ابنه أو من يقع تحت مسؤوليته، ووفر له ما به كان هلاكه، وتركه وحاله إلى أن بلغ مرحلة الانتحار؛ وذلك والله أعلم أنه في صورته هذه، هو قتل "شبه العمد" كما تعرِّفه مصادر الفقه، وهو: "قصد ضرب الشخص عدوانا بما لا يقتل غالبا، كالسوط والعصا" ونضيف أو البرنامج الرقمي الذي ينتهي بالقتل، مثل برنامج "الحوت الأزرق" وما يشبهه؛ لأنه وُضع أساسا لهذا الغرض.

9. ديةُ القاتل شبه العمد، أي "ولي الأمر" الذي يعرف أن هذا البرنامج ينتهي بالقتل، ووفر الظروف، وسمح لابنه باستعماله، ثم انتهى منتحرا؛ الدية على اختلاف المذاهب، منهم من يقول: "مائة من الإبل"، ومنهم من يضيف "الكفارة المغلظة"، ومنهم من يضيف "حرمانه من الميراث"؛ وعلى كلٍّ، الواجب على المؤسسات الرسمية والعرفية والعلمية أن تبث في الأمر، وأن لا تترك ذلك مسألةً عالقة، وحكما معلقا؛  كما هي الكثير من المسائل الحكمية والنوازل العالقة والمعلقة إلى اليوم.

10. إنَّ مثل هذه التحديات في ازدياد مطرد يوما بعد يوم، فهي حرب معلنة لا آخر لها، على الإنسان، وعلى البراءة، وعلى القيم، وعلى المجتمع، وعلى الدين، وعلى العرض... ولا سبيل لمواجهتها وإيقاف جيوشها إلا بالجدية، والصرامة، والتجنيد؛ أما إذا تركنا الحابل على الغارب، وألِفنا التفريط في الواجب؛ فإننا سنُقتل كل يوم مرات ومرات، ولن نملك حيالها وليا ولا نصيرا.

11. ولا بد من التذكير أنَّ الله تعالى أوجب حرمة النفس، وعد من قتل نفسا "كأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها كأنما أحيى الناس جميعا"، ومثل هذه الوسائل تعبث بحرمة النفس الإنسانية، المؤمنة وغير المؤمنة على السواء، وهي خطر على البشرية جمعاء.

12. تتضافر الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، وأحكام الفقهاء والعلماء المسلمين؛ على أنَّ تضييع تربية الأبناء، وتركهم عرضة للشياطين يعبثون بدنياهم وآخرتهم، جميعُ ذلك محرم شرعا، آثم صاحبُه؛ ولا ريب في صحة قولهم: "إنَّ أشد الناس عذابا يوم القيامة من جهل أهلُه" ومن تمام الجهل، عدم التفريق بين الخير والشر، وغشيان مواطن الشبهة والحرمة، والتساهل فيما لا يجوز التساهل فيه؛ وتأتي اليومَ أكبر فتنة في هذا الشأن، عبر الشاشات والشبكات الرقمية؛ ذلك أنَّ الناس كانوا يقصدون منازل الفسق والفساد، أمَّا اليوم فهي التي تقتحم عليهم ديارهم، وغرفهم، وخلواتهم، ولا تفرق بين رجل وامرأة، ولا بين كبير وصغير، ولا بين عالم وجاهل... وهي تهددهم في أعظم ما يملكون: الإيمان، والخلق، والمصير، والطمأنينة، والعافية، والأمن...

من عجب أني كنت أطالع التفاسير لسورة التغابن، ولقد وصلت إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ... كنت مع تفسيرها، والبحث عن سبل تفعيلها في الواقع؛ فقطَعت علي حبلَ تفكيري فاجعةُ "الحوت الأزرق"؛ ورأيت في هذا المقال مناسبة لهذا الفهم والتفعيل؛ ولكنَّ هذه مجرد صرخة، ولا تكفي الصرخة حيث تجب اليقظة، وإني محمِّل كل مسؤول مسؤوليته عند الله تعالى، وأول من يتحملها أنا، وأستغفر الله من تقصيري، والله ولي المتقين.                                                                                                                     الدكتور: د. محمد بابا عمي

المصدر: موقع فيكوس

شاركنا بتعليقك