إسهامات

الاكتئاب حالة من الحزن الشديد المستمر، تنتج عن الظروف المحزنة الأليمة، وتعبر عن شيء مفقود، وإن كان المريض لا يعي في كل الحالات المصدر الحقيقي لأحزانه.

وربما كان الدافع الخفي لحدوث الاكتئاب، هو تهدئة القلق، ومنع حدوثه، أو إخفاء العدوان، أو القصاص التكفيري من النفس، أو استجداء عطف الآخرين ورعايتهم، وأهم أنواع الاكتئاب، هما: الاكتئاب العصابي والاكتئاب الذهاني، ولا نريد الخوض في تفصيل مثل هذا.

إن أخطار الاكتئاب على الصحة النفسية للإنسان، وعلى كفاءة أدائه، أكبر مما يظن الكثيرون، حيث يصاحبه جمود انفعالي، يصعب معه التعاطف الشعوري والابتسام الموضوعي، كما أنه في حالاته الشديدة يضعف صلة المبتلی به بالواقع الخارجي، كما أنه يؤدي إلى احتقار الإنسان لذاته، إلى جانب أنه يؤدي إلى هبوط النشاط النفسي والحركي والوظائف العقلية، وقد يدعو صاحبه إلى الانتحار.

كيف نتجنب الاكتئاب؟

الأسباب التي تؤدي إلى الاكتئاب، ليست واضحة دائما، فربما عادت الإصابة به إلى تذبذب في كيمياء المخ، أو إلى بعد الهوة بين الإنجازات والطموحات، أو إلى حالات متكررة من الإخفاق، أو بسبب المقارنة مع الآخرين، أو بسبب الحرص على درجة عالية من (المثالية) لا يتمكن صاحبها من بلوغها، ومع هذا فإن الاكتئاب شائع جدا، ودرجاته المنخفضة مخبورة لمعظم الناس، وأكثر الناس لا يعيرونه الاهتمام المطلوب، وهذا ليس خطأ عندما يكون الاكتئاب في درجة متدنية؛ ولذا فإن ما سنذكره هنا من أساليب ووسائل لحماية النفس من الاكتئاب، ينطبق على الحالات الشديدة والمتوسطة، وهي أساليب كثيرة جدا، ولها علاقة بجوانب عديدة من حياتنا، وسنقتصر على بعضها خوف الإطالة.

- سيكون المكتئب محظوظا إذا استطاع أن يحدد المصادر والعوامل التي أدت إلى اكتئابه؛ لأن ذلك سيساعد على معالجتها والتعامل معها، وقد يكون من العسير على الواحد منا وهو في وسط المعمعة أن يحدد مصادر مشکلته، فينبغي ألا يتردد في استشارة طبيب أو صديق يثق في صداقته وخبرته، ومن المؤسف أن حالات الاكتئاب الشديد تبدد الصداقات، وتشتت الأصدقاء، وقليل أولئك الذين يقفون إلى جانب المكتئب في محنته حتى النهاية، مع أنه بحاجة ماسة إلى دعم اجتماعي قوي وغير مشروط، حتى يتخلص من التمحور حول ذاته، وحتى يهتدي إلى المخارج التي يتمكن بها من مغادرة النفق المظلم الذي وجد نفسه فيه.

- يحول الاكتئاب صاحبه إلى إنسان كسول مسلوب الإرادة والقدرة، ولذا فمن المهم أن يغمس نفسه في أنشطة يومية بسيطة مثل تلاوة جزء من القرآن أو كتابة رسالة بسيطة، أو إجراء اتصال هاتفي، أو الإتيان بالأطفال من المدرسة ، أو اللقاء مع بعض الإخوان والأصدقاء، إن هذه الأنشطة وما شاكلها تجعل المكتئب بشعر أنه أفلت -ولو جزئيا- من قبضة الاكتئاب الذي عطل الكثير من أعماله اليومية المعتادة.

- المكتئب يرى أخطاءه مضخمة ومكبرة، ويقوم إنجازاته تقويما سلبيا، مما يجعله مغمورة بأمواج الأفكار السلبية السوداء عن ماضيه وحاضره ومستقبله، وبالتالي عن ذاته وإمكاناته، وهذا يفرض على المصاب بالاكتئاب أن يقطع حواره الداخلي وأن يوفر لنفسه قدرة من الراحة العقلية، وأسهل الطرق وأسرعها إلى تحقيق ذلك هو (التناسي وعدم التفكير) وعليه أن يشغل تفكيره عوضا عن ذلك بقراءة شيء أو تأمل شيء، المكتئب يفقد ثقته في نفسه، ولذا فإن من المفيد له أن يفكر بما يملك من إيجابيات ونجاحات وقدرات؛ ليتخذ من ذلك رأس جسر على طريق استعادته لحالته المزاجية الطبيعية والسوية.

- إن الاكتئاب مثل سوس الأسنان يصطفي المواقع الصالحة لعمله، وحتى يحمي الإنسان نفسه من الاكتئاب، فإن عليه أن يكون في الوضعية الصحيحة قبل كل شيء: الوضعية التي يكون فيها في أحسن أحواله، وذلك عن طريق أمور عدة، مثل: إعطاء الجسم حقه من الغذاء والنوم والرياضة، حيث إن التداخل بين أحوال النفس والجسد معقد، كما أن عليه أن يكون واضحا في مبادئه وقيمه وأفكاره وأهدافه، فالاكتئاب يتغذى على الغموض؛ والوضوح هو عدوه الأول، كما أن من المفيد في هذا الإطار ألا يحرم المرء نفسه من حقها من بعض المباهج المباحة، فالرتابة والضغوط الحياتية الشديدة، والجدية الزائدة عن الحد، كل أولئك يؤهل الإنسان للإصابة بالاكتئاب.

الاكتئاب كثيرا ما يصيب أولئك الأشخاص الذين وضعوا كل بيضهم في سلة واحدة حين وضعوا كل إمكاناتهم وآمالهم في نجاح عمل، أو نيل شيء، فإذا لم ينالوه شعروا بأن كل شيء قد انتهى، ولم يعد ثمة مجال العمل أي شيء.

العزلة والانطواء وقلة الأصدقاء، مرشحات قوية للإصابة بالاكتئاب، وسيكون من المهم للإنسان أن يظل منفتحا ومستعدا لإقامة علاقات اجتماعية ناجحة، ومستعدا لرعايتها والمحافظة عليها، حتى يتلقى منها في النهاية ما يحتاج إليه من دعم ولاسيما في وقت الأزمات.

المصدر: كتاب العيش في الزمان الصعب، د. عبد الكريم بكار، صفحة 179-182.

شاركنا بتعليقك