تُعتبر التربية والتعليم وجهان لعملة واحدة، وحينما يوجد الأول لابد للثاني أن يكون حاضرا، كتاب: العائلة مساحة حب أم ساحة حرب (نقولا معكرون) قال أن المدرسة تنتقل الولد من حضن العائلة إلى حضن المجتمع، من حميمية المنزل إلى رسمية السرايا، ومن حنان العائلة ورعايتها إلى قوس العدالة وعقوباته، تُحوِّل بعض المدارس الطفل من كائن مرح، يحب الضحك واللعب في وضح النهار، إلى شخصية شكسبيرية درامية تهوى الظلمة والظلام، إن الإنجاز الذي تفاخر به بعض كبرى المدارس؛ هي تحويل الطفل إلى ببغاء ملون يحفظ كل ما يقال له عن ظهر الغيب.
تحول المدرسة الطفل الحامل لاسم وهوية وطبع ومزاج ومواهب وهوايات إلى رقم تسلسلي في سجل التفقد، وإلى رقم مالي في خزانة أمانة الصندوق، وإلى كرسي إضافي في قاعة التدريس، وتبدأ المؤامرة..
هناك مصانع لتحويل المواد الخام إلى أدوات مختلفة وآلات متنوعة: سيارات.. ساعات يد.. كراسي.. طاولات.. إلخ من الأشياء النافعة والمهمة، أما بعض المدارس فيحدث عكس ذلك: أطفال من انتاج الحياة كالورود والأزهار، قدرات ومواهب وطاقات لا حدود لها، تحولهم هذه المدراس إلى مومياوات وإلى روبوتات غبية، تحفظ وتكرر ثم في الامتحان تطلب البضاعة كما قدم لها!
هذا سيناريو بعض المشرفين على بعض المدارس في بعض الدول، لتحويل الولد الذكي الموهوب المنتج المبدع، إلى شيء مثل كل الأشياء، سيناريو يوضح لنا كيف يتم تحويل الولد من إنسان منتج إلى إنسان مستهلك، ومن إنسان مبدع إلى فرد مستورد، ومن إنسان متحرر إلى فرد مستتبع.. ومن شخصية فضلها الله وأعطاها ما أعطاها من طاقات كامنة إلى ببغاوات تردد أشياء لا يفهمها!
والاشكال حين تنتقل هذه الفكرة إلى الآباء أيضا، فيعتقد بعضهم أنّ النتائج الدراسية هي المؤشر الوحيد لتقييم ابنه، فتجدهم يركزون على النقاط (خاصة لذوي المستوى الضعيف) واللوم والمقارنة مما يجعل هذا النمط من التربية ومتابعة الطفل يكره الدراسة، وتُفقده الثقة في نفسه وقدراته، فقد تكون لديه مميزات ونقاط قوة في جوانب أخرى لكن الأهل لم يستطيعوا التعرف عليها؛ وإذا لم يكن هناك فتح لقنوات الاتصال والحوار بينهم وبين الأبناء فإنهم لا يستطيعون الوصول إلى عمق المشكلات التي يعانون منها في المدرسة، وبالتالي مع الوقت حتى نقاط القوة ستضمحل وتختفي لأنه لم يلقى لها الاهتمام الكافي، حينها تتزعزع ثقته بنفسه، ويلوم نفسه بأنه فاشل ولا يصلح لشيء.
والخلاصة: بدل أن يُحافظ على كيان الطفل وعلى شعوره وقدراته وعلى العلاقة فيما بين الأفراد، فالمربي السلبي يلومه إن أخفق.. وجل حديثه وعتابه يدور حول النقاط وكأنها كل شيء! وقد نسي أنه إنسان له مميزات وذكاءات أخرى، بحيث لو أعطي له الاهتمام لاكتشاف أي من الذكاءات يتميز فيه ابنه؛ لساعده فيها ولتألق مستقبلا، ومن المهم جدا أن يدرك الوالدين أن تعاملهم مع أبنائهم يجب أن يكون على أساس أبناء وليس تلاميذ، لأن التلميذ صفة مؤقتة وليس صفة دائمة.
و من الوسائل التربوية المهمة طريقة السؤال عند عودة الطفل من المدرسة، ترى كيف نتكلم مع أبنائنا عند عودتهم من المدرسة؟ وما الأسئلة المهمة التي نطرحها عليهم؟ وللإجابة على هذا السؤال؛ يورد (إيزادور) عالم في الفيزياء وحائز على جائزة نوبل، أنه في يوم من الأيام أجروا معه مقابلة، سألوه: كيف صرت عالما؟ قال لهم: دائما الأمهات عندما يرجعون أولادهم من المدرسة يسألونهم: ماذا فعلتم اليوم في المدرسة؟ إلا أن أمي كانت تسألني: ما السؤال الجيد الذي سألت به الأستاذ؟ مصداقا بكلام ابن عباس ترجمان القرآن حين قالوا له: من أين لك كل هذا العلم؟ قال : "من لسان سؤول وقلب عقول"
وإذا كانت المدرسة قد حولت الطفل حقا إلى رقم؛ على الأقل الأسرة لا تتبع هذا المسار بل عليها أن تُفعل مهارات الحياة في أبنائها والتي من خلالها سينمون فكريا ووجدانيا وروحيا واجتماعيا..
والأمة بحاجة إلى قادات ذو شخصيات قوية ومؤثرة وفعالة ومنتجة وكذلك مبدعة، فأنتَ أيها الأب أو أنتِ أيتها الأم يكمن دوركما الجوهري في انقاذ جواهركم..، ولنا في قصة أنشتاين أبلغ مثال في تعامل الأم مع ولدها.. إذ لم تحطم معنوياته حينما طُرد من المدرسة لفشله وغبائه.. بل اعتبرته انسانا.. واستطاعت أن تجعل منه إنسانا ناجحا حين آمنت به وبقدراته وذكائه.
-بتصرف-
المصدر: مقتطفات من كتاب: العائلة مساحة حب أم ساحة حرب، نقولا معكرون.
شاركنا بتعليقك