إسهامات

كم يكون سيئا أن يعتقد الواحد منا أنه الأصل وباقي البشر صورة، وأنه المركز وباقي الناس حواش وحواف؟!

وكم يكون سيئا أن تصبح هذه العقيدة شيئا عاما، فيعتقد كل واحد من الناس أن رؤيته للأشياء هي الصحيحة، وأن على باقي الناس أن يوافقوه على ما يرى، وإلا فإنهم على خطأ أو ضلالة!!

من النادر ألا يقع الواحد منا في هذا الخطأ في لحظة ما؛ حيث إن عاداتنا الفكرية ومألوفاتنا تجعلنا دائما نتمحور حول أنفسنا -بالمعنى الواسع لهذه الكلمة- وننظر إلى ما نستحسنه على أنه حسن حسناً مطلقاً، وما نستقبحه على أنه قبيح قبح مطلقا.

وهذه النظرة في الحقيقة نابعة من تجذر معاني الطفولة في الشخصية، ومن تمدد روح الأنانية وسيطرتها على الذات.

الرؤية الإسلامية في هذا الشأن واضحة، حيث إن دائرة المباح واسعة جداً، حتى قالوا: إن الأصل في الأشياء الإباحة، وحين يكون الشيء في دائرة المباح، فإنه ليس لأحد أن يستهجن فعله أو تركه، وهكذا ما كان تعدده من قبيل اختلاف الأذواق والمألوفات والمرئيات، حيث ليس لمن يكره لبس اللون الأزرق أن ينكر على بعض الناس حبه له؛ كما أنه ليس لمن يحب نوع معينة من الطعام أن يستنكر اشمئزاز نفوس بعض الناس منه.

وطالما استنكر سكان كثير من المناطق الداخلية بعض المأكولات البحرية التي يفضلها سكان المناطق الساحلية لعدم إلفهم لها.

ليس لأحد أن يجبرني على استساغة نوع معين من الطعام، وعلى استحسان نوع معين من الأثاث، أو الثياب، من أفق رغباته الخاصة؛ كما أنه ليس لي في المقابل أن استهجن صنيع غيري في هذا الشأن، ونحن نذكر صنيعه -ﷺ- حين وضع الضب بين يديه، فإنه لم يمد يده إليه وعلل ذلك بقوله: "لم يكن في أرض قومي فأجد نفسي تعافه"، لكنه -ﷺ- لم يحرم أكله، ولا وبخ من أكله أمامه، ولم يستهجن فعله.

والآن لعلنا نوضح سيات الذين يرون الأمور من وجهة نظرهم الخاصة عبر النقاط الآتية:

1. يخلط المبالغ في الاعتداد برؤيته الخاصة بين التمسك بالمبادئ والأحكام المتفق عليها، والحقائق العلمية من جهة، وبين الأفكار والاجتهادات والفرضيات التي ما زالت موضع جدل وأخذ ورد من جهة أخرى، فهو لا يملك الشفافية الكافية للتفريق بينهما، وذلك بسبب فقده للمرونة الذهنية وبسبب جهله بطبائع الأشياء وطرق ثبوت الأفكار، ومن هذا القبيل النزاعات المريرة التي وقعت بين أتباع المذاهب الفقهية والنحوية والسلوكية... ومن هذا القبيل أيضا ما يقع بين العاملين في حقول الدعوة والإصلاح، مما تأطرت أفكارهم وأساليبهم بإطار أهل السنة والجماعة، حيث إن ما بينهم من شحناء وخصومة يدل على وجود الخلط الذي أشرنا إليه.

إن الأمور القطعية والحقائق العلمية تكون ذات وضعية واحدة بالنسبة إلى جميع الأشخاص، كما هو الحال والشأن في أركان الإسلام، وفي المحرمات حرمة قطعية، مثل الربا والزنا وشرب الخمر... أما الأمور الخلافية فتختلف باختلاف وجهات النظر، كما هو الشأن في المسائل الفرعية ذات العلاقة بالواجبات والمحرمات، وأمور الفقه والدعوة ألصق بالفرعيات منها كما هو معلوم.

2. المعتد برؤيته الخاصة للأشياء، يأنس بوجهات النظر التي تؤيد رؤيته على مقدار ما يستوحش من وجهات النظر الأخرى، ويترتب على هذا عدد من الأمور، منها:

أ. لا يطلع إلا على الكتب والدراسات والأقوال التي توافق وجهة نظره الخاصة، وينظر إلى ما يعارضها نظرة ارتياب وشك.

ب. ينفر من الدراسات المقارنة التي توضح ميزات المذاهب والأفكار وعيوبها، وتقوم بعمليات موازنة بينها؛ وذلك لأنه لشدة إيمانه برؤاه الخاصة لا يرى أية فائدة في الاطلاع على ما يخالفها، وأحيانا يبتعد عن الاطلاع على الأفكار الأخرى مدفوعا بخوف غامض.

ج. تكون علاقاته بالناس محدودة، فهو حتى يحافظ على أفكاره ومألوفاته يحوطها بشيء من العزلة، ويجد خير وسيلة لذلك أن يقيم علاقات حميمة وعميقة مع من يشاركونه في آرائه وطروحاته، ولو أننا نظرنا في تاريخ العلوم، وتاريخ المذاهب والنحل، لوجدنا أن النمو في الخفاء من أهم العوامل التي أتاحت للآراء والأفكار الخاطئة البقاء والاستمرار، ولولا ذلك لاختفت واندثرت منذ آماد بعيدة.

3. لا يحترم -شديد الاعتداد برؤيته الخاصة- كلام أهل الاختصاص، فإذا كانت فكرته على علاقة بالفقه قال لك: ما أراه وأعتقده مما لا يعرفه فقهاء زماننا، ومما لم يطلعوا عليه أو يهتموا به.

وإذا كان ما لديه من مقولات على علاقة بالطب رفض قول الأطباء، وصار يشكك في علومهم ونزاهتهم، وهكذا... مع أن الخبرة تفيدنا بأن أهل الاختصاص مهما جانبوا الصواب في مسألة من المسائل يظلون أقرب إلى الحق والحقيقة من غير المختصين.

قد آن الأوان لمراجعة أصول التفكير لدينا، والاستفادة من العلوم والمعطيات الجديدة في تعديل العديد من وجهات النظر التي تمسكنا بها، بناء على ظنون وأوهام، أو بناء على قراءات ناقصة لواقع الحياة.

المصدر: كتاب خطوة نحو التفكير القويم، د. عبد الكريم بكار، صفحة 185-188.

شاركنا بتعليقك