يتطلب نجاح الحوار وسيره بطريقة جيّدة، وخروجه بنتائج ذات قيمة، تحقيق بعض الشروط، منها:
تحديد موضوع النقاش
ما لم يتم تحديد موضوع النقاش، فإن الحوار قد لا يأتي بأي نتيجة، وتجد الناس آنذاك يشرقون ويغربون، وفي ذهن كل واحد صورة -عن الموضوع الذي يناقش- مختلفة عن الصورة التي في ذهن الآخر.
يدور الحوار غالبا حول مشكلة، وليس من العسير توضيح أبعاد المشكلة موضع البحث، وسيكون من مسؤولية المتحاورين تنبيه كل من يخرج عن موضوع الحوار وإيقافه عن الاسترسال؛ حتى يتمكنوا من بلورة ما يريدون بلورته على نحو جيد.
إعطاء معلومات للمتحاورين
قبل الشروع في الحوار لابد من إعطاء معلومات للمتحاورين عن القضية التي سيتحاورون فيها، وهذا ضروري جدا لطلاب المدارس والجامعات. إن المعلم حين يختار المناقشة والحوار أسلوباً للتعليم، يكون قد اختار أسلوباً شديد التميّز وعظيم الفائدة له ولطلابه، لكن التجربة دلتنا على أن الطلاب لا يشاركون أستاذهم الحوار، ولا يتفاعلون معه، ليس لأنهم سلبيون ولا يحبّون الحوار، ولكن لأنهم لا يملكون معلومات ملائمة تُمكنهم من المشاركة ورفع الرأس، ولهذا فإن البيوت تجري فيها حوارات يومية كثيرة، ويشارك معظم أفراد الأسرة فيها، والسبب في ذلك أن الأسرة تُناقش موضوعات اجتماعية، ولدى كل أفراد الأسرة درجة من المعرفة في تلك الموضوعات، ولذلك يشاركون؛ فهم يعرفون ماذا يقولون؟ لكن إلى الآن في معظم المدارس والجامعات ما استطعنا أن نتحول من أسلوب التلقين إلى أسلوب الحوار، والسبب الجوهري الغالب هو أن الطلاب لا يملكون المعلومات المطلوبة للمشاركة في الحوار.
فإذا أراد الأستاذ أن يناقش مع طلابه مثلاً أهمية العنصر البشري في التربية، فإن عليه من خلال عشر دقائق إلى ربع ساعة أن يُقدم معلومات حول عدد السكان في بلده، ونسبة الشباب فيه، وحول الرؤية السامية للإنسان، وكونه مركز الكون والأساس في كل نهضةٍ، ثم يتحدث عن قيمة العلم والتدريس في ترقية الشخصية وصقلها، ويقدم إليهم بعض المبادئ والمفاهيم حول شروط التفوق والنجاح على الصعيد الخلقي، وعلى الصعيد المهاري والتقني. وسوف يجد المدرس -كما سيجد غيره- تجاوبا كبيرا من الطلاب ومشاركة في الحوار والمناقشة أكثر مما هو متوقع.
تحديد ما ليس موضعاً للحوار
من الواضح أننا حين نتحاور في أي مسألة من المسائل فإن ذلك يعني أن لدينا نوعاً من الاختلاف، ولو حول بعض الفروع والجزئيات، ولا يكون هناك حوار بين المتفقين في كل شيء؛ لأنهم بماذا سيتحاورون، وليس في اختلافنا ما هو معيب، لكن الذي يحدث في كثير من الأحيان أن نخفق في التعبير عن آرائنا ومعتقداتنا، ومن ثم نصبح كمن يدور حول نفسه.
وفي كثير من الحوارات والمجادلات الساخنة جدّاً التي قد يكون المتحاورين فيها فقدوا ما بينهم من لحمة المودة والأخوة، في تلك الحوارات يأتي من يقول لنا ألم أقل لكم لسنا مختلفين ونحن متّفقون على الأسس؟ فيأتي أحد المحاورين ويقول هذا ليس بصحيح؛ نحن مختلفون تماماً، ولكنك لست فاهما لنا.
بعد أن يتم إلقاء شيء من الضوء على موضوع الحوار، يمكن أن نقول نحن لا نقتنع لا في كذا ولا في كذا، وأن نقول إن الذي يحتاج إلى حوار وبحث هو كذا وكذا.
إذا فعلنا ذلك صار الطريق ممهدا فعلا لأن يكون حوارنا حوار في محله، وفي أشياء هي فعلا تحتاج إلى حوار حقيقي.
البُعد عن التجريح
من المهم في كل حوار البُعد عن التجريح الشخصي، والتعريض بالمحاور الآخر؛ لأننا بذلك نكون قد ابتعدنا كثيرا عن الأدب الرفيع، وعما يجب أن يسود من اللباقة وتجنب الإحراج.
ويكمن التجريح الشخصي في العديد من الصور فقد يتجسد في ذِكر مخالفة سلوك المُحَاور لما يقول، فإذا قال أحد المتحاورين إن المحافظة على الوقت أساس في النجاح فقد يأتي من المتحاورين معه من يقول له وهل أنت تحافظ على الوقت حتى تقول ذلك؟
وإذا قال المحاور إذا أخفقنا في تربية أبنائنا فمعنى ذلك أننا لن تفلح في أي شيء فقد يأتي من يقول له أنت الذي تقول ذلك، وكلنا يعرف وضع أولادك؟
ويكون التجريح أحيانا بالتعريض لقبيلة الرجل أو جماعته أو مؤسسته.
إن البشر مخلوقات عاطفية في المقام الأوّل، والكلام بالنسبة إليهم يُداوي ويجرح ويقتل، ويجب أن نهتم بهذا ونتنبه إليه.
إدارة الحوار
يحدث أثناء الحوار الجماعي أن يدور الكلام بين شخصين، ويسكت الباقون، وتسود روح من التحدي، ويكثر الصياح، وترتفع الأصوات، ويكثر الابتعاد عن جوهر الموضوع، وكلما حاول أحد الحاضرين أن يُعلِق بكلمة، أو يشارك بطرح فكرة، أسكته أحد القطبين المتحاورين؛ ليتكلم هو ويستمر في مباراته مع خصمه.
من الواجب في هذه الحالة أن يقود الحوار أحد الحضور؛ ليجعل لكل الحاضرين في المجلس قسطاً من الوقت مساوياً لغيره، ومُنهياً الاستقطاب الثنائي للمجلس.
تلخيص أهم النقاط
حتى نشعر بأننا خرجنا بشيء ملموس فإن علينا أن نقوم باستعراض أهم ما توصلنا إليه، واستعراض جميع الخيوط المبعثرة والمشتتة، وتقديمها في ملخص مختصر يشتمل على ما تم الاتفاق عليه، وعلى ما يحتاج إلى المزيد من الحثّ، وعلى ما لا سبيل إلى وفاق فيه؛ لكونه غامضاً أو جزئياً أو فرعياً، كما يشتمل التلخيص على أهم الفوائد والطرائف الفكرية والعلمية التي وردت في النقاش.
-بتصرف-
المصدر: كتاب التربية بالحوار، د. عبد الكريم بكار، صفحة 25-27.
شاركنا بتعليقك