إسهامات

استهلاك التمر في حالته الطبيعية:

إن الوقت الذي يتناول فيه الناس عندنا التمر، مرفقا غالبا بالحليب، هو زمن اللمجة بين العاشرة والحادية عشر صباحا، فالناس ينهضون باكرا ويحتاجون إلى وجبة خفيفة جاهزة دوما لتمكنوا من مواصلة نشاطهم، وخلال السنة تبلغ ذروة الاستهلاك في شهر رمضان الذي له تدَّخر العائلات إلا إذا تزامن شهر رمضان مع موسم الغلة.

لما يتوجب على رب عمل أن يقدم طعاما للعمال، فإن التمر يرافق وجوبا تلك الوجبات، أما إذا كان الطعام على عاتق العمال أنفسهم فإنهم يشترون منه دوما لأنهم لاحظوا أن أجسادهم تعمل أفضل بعد استهلاك التمر. ونلاحظ أيضا حضور التمر في الضيافات والمناسبات العامة.

لقد حطت أمراض التمدن رحالها على بني يزﭬن، وكثير من الناس يفضل التمر البارد وينزل الصنف الحار منزلة الحلويات التي تؤخذ بصورة استثنائية بسبب المتاعب الهضمية التي تسببها لهم. بعض هواة "دﭬلت نور" يضطرون إلى مزجه مع أصناف أخرى، لا لأكله ولكن ليضفي على التمر الآخر نكهته التي يشتهونها كثيرا. أما الأمهات فإنهن أصبحن قلَّما يعطين تمرا لينا لأولادهن لأنه فيما يبدو يسرع العبور المعوي لدى الصغار ويسبب لهن بالتالي المزيد من العمل.

هل التمر اللين هو الذي يعكر مزاج الأطفال أو إضافته إلى الحليب الصناعي المعبأ في أكياس المصنوع من مسحوق الحليب؟ على أيِّ حال، فأنا لا أحمل من طفولتي ذكريات لهذه الأمراض. كان الأطفال يعطون التمر منذ نعومة أظافرهم، وعوضا عن المصاصات المستعملة حاليا، المصنوعة من مادة اللاتكس، فإنه كانت تصنع الهم مصاصات من القماش الشيف الذي يضعون فيه عجينه تمر معطرة بإكليل الجبل والحبق، ويستلذون مضغها. وفي هذا الصدد فإن صنف "أُوعُوشْتْ" كان ينصح بتقديمه للرضع.

في الوصفات المطبخية والطبية والتجميلية:

يدرج التمر إضافة إلى استهلاكه طازجا في تركيبة العديد من الوصفات التقليدية، ولكل استعمال تنتقى الأصناف المستعملة ونوعية التمر حسب نكهتها ولونها وترکیبها المميز وقيمتها الغذائية أو الطبية، فقد تكون التمرة أقل أو أكثر حلاوة، وقد تكون لينة أو متماسكة، أو يكون تركيبها ليفيا أو غير ذلك كما يمكن أن تكون ذا مذاق حامض بعض الشيء، أو تميل إلى المرارة، أو يفوح منها عطر الكرملة أو الفانيلا أو الفواكه أو التوابل المتنوعة.

يدخل التمر في تركيب بعض الأطباق التقليدية التي تحضَّر يوميا، مثل الكسكس، أو في مناسبة الأعياد أو بعض الأيام المعلومة، كما يمكن أن يتبَّل طبقا أو يساعد في تحضير المرق.

يستخدم التمر أيضا في صناعة الحلوى، ومعروف في جميع البلاد "المقروض"، وهو حلوى من السميد الذي تلبس به عجينة التمر، أو الحلوى التي تمزج بين التمر وعجينة اللوز.

كما يدخل التمر في تحضير مشروبات، فالدبس السائل خلال التخزين يمكن جمعه، أو يهرَّس التمر ثم يغلى في الماء، والرشاحة يمكن جمعها واستعمالها لقدرتها المحلية. علاوة على العديد من الوصفات في صناعة الخل بمختلف أنواعه.

ولكل استعمال تنتقى الأصناف المناسبة:

  • حسب نوع المرق يؤخذ التمر ذو اللون الفاتح أو الداكن، اللين أو المتماسك، الليفي أو غيره.
  • تفضّل صناعة الحلوى بالتمر الذي يسهل عجنه.
  • يوجه القسب إلى الطاحونة لتحضير وصفات من مسحوق التمر.
  • التمر الأصغر قيمة يحبذ استعماله لصناعة الأشربة أو الخل.
  • يجمع الدبس من الأصناف التي تفرزه طبيعيا.

يستعمل التمر استعمالا واسعا في فن الصيدلة التقليدية، ويخلط بأعشاب طبية أو زيت الزيتون أو الفواكه الجافة أو البهارات وغيرها. يعرف الناس عشرات الوصفات، بل توجد منها حتى الخلطات الجنسية مثل الأبخرة المنعظة المصنوعة من تمر "اَدَّالَتْ" الممزوج بالبخور. وللنساء إلمام بتحضير سلسلة من الأقنعة الملطفة والمراهم والأصباغ من الأصناف المناسبة. كل هذه الاستعمالات، التي تظل إلى الآن حبيسة قرانا، تثير اهتمام العلماء الذين بدأوا في جردها.

-بتصرف-

المصدر: كتاب نخلة التمر يوميات يرويها عاذق، نور الدين بن سعدون، ص78-79.

شاركنا بتعليقك