تركز المدارس عادة على تربية مهارات معرفية ضيقة وتصرف جل وقتها في تصنيف التلاميذ في رتب تتحدد على أساسها نجوميتهم المدرسية، وكما يقول "هوارد جاردنر"، صاحب نظرية "الذكاءات المتعددة"، فإنه قد آن الأوان کي نصرف وقتا أقل في تصنيف رتب الأطفال، ووقتا أطول في مساعدتهم على اكتشاف كفاءاتهم ومواهبهم الطبيعية وتنميتها، فهناك المئات من طرق النجاح في الحياة، وهناك العديد من القدرات المختلفة التي تساعد على الوصول إليه.
إن أهم إسهام يمكن أن تقدمه التربية لنمو الطفل في رأيه يتمثل في مساعدته على التوجه نحو مجال يتناسب بأفضل ما يمكن مع نواحي موهبته وقدراته، حيث يمكن أن يكون سعيدا وناجحا.
إنها دعوة لأن تقوم المدرسة بتنمية مهارات الحياة والنجاح فيها، ومن أهمها الذكاء الانفعالي، الذي يشكل قطاعا كبيرا من الصحة النفسية، ويتوقع هذا العالم أن تتضمن المناهج الدراسية مستقبلا إكساب التلميذ الكفاءات الإنسانية الأساسية التي يتضمنها الذكاء الانفعالي الذي يتكون من المقومات التالية:
♦ الاستبصار الذاتي، ومعرفة الحالات الوجدانية والوعي بها في مختلف مواقف الحياة، مما يساعد في توجيه الذات نحو القرار الأفضل.
♦ القدرة على ضبط الانفعالات والتعامل مع الضغوطات النفسية والتسلح ضد القلق في الشدائد الحياتية.
♦ القدرة على التحفيز الذاتي وتعزيز الحالات الوجدانية الإيجابية والمواقف الإيجابية في الحياة، مما يخدم أهداف بناء المشروع الوجودي، ومتطلباته.
♦ تفهم الآخرين، والقدرة على التعاطف معهم، وتلمس خبراتهم الوجدانية واستيعابها، مما يشكل أساس التواصل الإنساني الأصيل.
♦ القدرة على إدارة العلاقات والتفاعلات مع الآخرين مما يشكل أساس الكفاءة الاجتماعية، ويعزز شبكة العلاقات والقدرات القيادية، ويقوي مشاعر الالتزام والانتماء.
هذه المهارات التي تعكس مستوى جيداً من الصحة النفسية يمكن أن يتم تعلمها، كما يذهب إليه "جولمان"، تماما كما يتم تعلم المواد الدراسية.
ويتوقع أنصار هذا المنحى أن يتم مستقبلا تلازم مساري التعليم الأكاديمي والتعلم الانفعالي، إذ يمكن للمعلم أن ينفذ المنهج بطريقة تعزز الصحة النفسية من خلال توفير محيط عاطفي يعزز كفاءات التلاميذ العاطفية.
ويتم توسيع النموذج المدرسي من الاهتمام بنسبة الذكاء ونسبة التحصيل إلى الاهتمام بالذكاء الانفعالي بكل ما يتضمنه من مهارات نفسية اجتماعية وجودية.
وقد أثبتت الأبحاث الحديثة على الدماغ أن هناك تكاملا ما بين التفكير والانفعال هو الذي يوفر القدرة الفعلية على التعامل مع قضايا الحياة ومجابهتها بالفاعلية المطلوبة، إذا يقول "جولمان" بهذا الصدد إن هناك دماغين يعملان بانسجام في حالات الصحة النفسية، وهو انسجام ضروري لحسن توجيه حياتنا الانفعالية وتكَيُفِنَا الاجتماعي ونجاعة القرارات والخيارات.
إذ لا يعمل الذهن المفكر بأحسن حالاته التي تتجلى في ذكاء التعامل مع المشكلات، إلا بمقدار شراكته، ونشاطه بالتآزر والتكامل مع الذكاء الانفعالي، وعندما تنشط هذه الشراكة يرتفع كل من الأداء العقلي والذكاء الانفعالي، ويعتبر ذلك النموذج الجديد الذي تنادي به الصحة النفسية المدرسية عوضاً عن النموذج القديم الذي كان يتجاهل الانفعال ويلغي العاطفة لصالح العقل المحض، في نوع من وهم الوصول إلى آلة معرفية تُحصل العلم بتفوق، في حالة من فقدان الروح والوجدان...
_بتصرف_
المصدر: كتاب: الصحة النفسية_ منظور دينامي تكاملي للنمو في البيت والمدرسة_ مصطفى حجازي، ص 238-241.
شاركنا بتعليقك