منذ ولادتك إلى الآن، لا شك أنك استهلكت الكثير من علب العصير والمشروبات الغازية، الكثير من قطع السكاكر والعلكة والبسكويت، والكثير أيضا من أنواع الحلويات المُصنَّعة، إن القاسم المشترك بين كل هذه المأكولات والمشروبات أنها حلوة المذاق، لكن، هل فكرت قليلا ما إذا كانت هذه الأخيرة تحتوي على مادة السكر أم أنها تحتوي على مادة مُحلية أخرى شبيهة بالسكر؟
القصة بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1965م عندما تم بالصدفة اكتشاف مادة الأسبرتام، التي حملت فيما بعد رمز E951 من قبل الكيميائي جيمس شلاتر، الذي كان يعمل آنذاك على تحضير دواء ضد قرحة المعدة، وبينما كان يقوم بالتجارب وضع إصبعه في فمه للإمساك بورقة فاستشعر بذلك مذاقًا حلوًا، هكذا إذن تم اكتشاف مادة الأسبرتام التي تفوق مادة السكر حلاوة بـ 150 إلى 200 مرة غير أنها لا تحتوي إلا على كمية قليلة جدا من السعرات الحرارية.
المعروف هو أن مادة الأسبرتام تُستخدم كبديل للسكر العادي بالنسبة لمرضى السكري، لكن قبل أن نتعرف ما إذا كانت هذه المادة تشكل تهديدا حقيقيا على صحة الإنسان لابد وأن نتعرف على مكوناتها.
تتكون مادة الأسبرتام المُحلية من ثلاثة عناصر أساسية تشكل تركيبتها:
ما هي المنتوجات التي تحتوي على مادة الأسبرتام المُحلية؟
نستطيع أن نجد مادة الأسبرتام في أكثر من 6000 منتوج من بينها:
هل الأسبرتام مادة هي فعلا مضرة بصحة الإنسان؟
في سنة 1974م وافقت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية(FDA) على استعمال وإنتاج ثم تسويق مادة الأسبرتام لصالح شركة سيرل التي تعمل في مجال تصنيع المستحضرات الصيدلية، بناء على بحوث تقدمت بها هذه الشركة. لكن سنة بعد ذلك تم تعليق هذا القرار بناء على بحوث أخرى قام بها مجموعة من الباحثين تشكك في وجود تأثيرات مسرطنة للمادة في جسم الإنسان.
وفي سنة 1976م قررت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية (FDA) القيام بتحقيق حول مدى صحة بحوث شركة سيرل، لكن الجهة المختصة لم تقم بمتابعة هذا الملف، ثلاث سنوات بعد ذلك في 1979م قامت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية (FDA) بتعيين لجنة مستقلة من أجل اختبار وتقييم مادة الأسبرتام، حيث أعلنت فعلا عن إمكانية وجود تأثيرات مسرطنة بناء على دراسة أقيمت على الفئران والقوارض، ما دفعها إلى تأييد تعليق قرار تسويق المادة إلى أن تقام دراسات أخرى حولها، هذه الأحداث كانت بمثابة نقطة انطلاق بالنسبة لشريحة واسعة من الجمهور في عدم الوثوق في هذه المادة المُحلية.
وفي سنة 1981م تم تعيين رئيس جديد للإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية من قبل فريق حكومي كان يضم بين أفراده رئيس شركة سيرل، وهو دونالد رامسفيلد شهور قليلة بعد ذلك، رخصت الإدارة الأمريكية للأغذية والأدوية مرة أخرى لشركة سيرل تسويق وبيع الأسبرتام معتمدة في ذلك على دراسة يابانية مستقلة خَلُصَتْ إلى عدم وجود أية تأثيرات مسرطنة على الفئران والقوارض، هذا القرار أدى إلى تفاقم الإحساس بعدم الثقة من قبل المستهلكين.
لكن، هل هذا هو الرأي الوحيد؟
بالرجوع إلى معهد راماتزيني الإيطالي الذي يشتغل في مجال مكافحة السرطان، فإنه قد اعتبر أن الدراسات التي اٌجريت حول الأسبرتام في سنوات السبعينات كانت تعاني من بعض القيود والثغرات، لهذا قرر هذا الأخير في أواخر التسعينات أن يقوم بدراسة من شأنها سد ثغرات البحوث السابقة، حيث نشر في سنة 2005م نتائج هذه الدراسة التي أحدثت ضجة كبيرة والتي أثبت فيها معهد راماتزيني ارتفاع حالات الإصابة بأورام سرطانية على مستوى كل من المخ، الدم، الغدد، الجهاز العصبي والكليتين، بالنسبة للقوارض التي تناولت مادة الأسبرتام خلال مدة الدراسة على عكس القوارض الأخرى التي لم تتناولها.
يفسر الدكتور موراندو سوفرتي، الذي أشرف على الدراسة في معهد راماتزيني، ارتفاع حالات الإصابة بسرطان الدم والغدد بسبب تواجد الميثانول السام في تركيبة مادة الأسبرتام كما سبق وأشرنا إلى ذلك في بداية المقال، حيث أكدت النتائج المتعلقة بدراسة الميثانول في الماضي على أنه يؤدي حتما إلى الإصابة بهذه الأنواع من السرطان.
بعد ذلك، قوبلت نتائج معهد راماتزيني بالرفض من قبل فريق من الخبراء يمثلون الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية يقوده الدكتور بَرلو لكن، سرعان ما توجهت أصابع الاتهامات نحو الدكتور بَرلو من قبل العديد من المنظمات تتهمه بالعمل لصالح المعهد الدولي لعلوم الحياة، وهو معهد يتلقى تمويلات من طرف مجموعة من الشركات الصناعية الكبرى مثل: كوكا كولا، نستله ومونسانتو.
هذا كانت نتائج عديد الدراسات التي أجريت من منظمات وفرق بحث غير حكومية، بحيث كانت نتائج دراساتهم تشير وتؤكد على الجانب الضار من هذه المادة، والتي لا زالت تثير الشك والجدل.
ولحدود الساعة، لازالت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) تَعتبر أن الأسبرتام مادة آمنة لصحة الإنسان معتمدة في ذلك على الدراسات السابقة التي قامت بتحليلها وتشمل 112 من الوثائق الأصلية منذ بداية الثمانينات إلى الآن والتي قدَّمتها الشركات المصنعة من أجل الحصول على الإذن لتسويق مادة الأسبرتام.
لكن، في سنة 2011م وفي إطار إعادة التقييم المنهجي للسلامة، قامت المفوضية الأوروبية بتقديم طلب إلى الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) من أجل القيام بدراسة كاملة أخرى حول مدى سلامة الأسبرتام.
ويبقى السؤال مطروحا حول من المستفيد من تأخير مثل هذه الدراسات المهمة؟
بعد كل هذا الجدل الذي أثير حول مادة الأسبرتام الصناعية يبقى القرار الأخير لك عزيزي القارئ في استهلاك هذه المادة من عدمه.
-بتصرف-
المصدر: موقع منصة "زد"
شاركنا بتعليقك